"التيار" بين أيار 2005 وأيار 2008
شهادات للتاريخ...
النهار 2008/05/17
محمد أبي سمرا
لمناسبة مرور ثلاث سنوات على عودة العماد ميشال عون من المنفى في 7 أيار 2005 ينشر موقع nowlebanon.com بالتعاون مع صحيفة "النهار" تحقيقًا يُلقي الضوء على ما آلت إليه أمور "التيار الوطني الحر" وما طرأ عليه من متغيرات خلال الأعوام الثلاثة الماضية التي تلت عودة عون إلى لبنان، ويتضمّن سلسلة شهادات ستنشر تباعًا لبعض قدامى كوادر "التيار" المعترضين تنظيميًا وسياسيًا على سياسات "التيار الوطني الحر" المتّبعة منذ العام 2005 وحتى الآن. بعض أصحاب هذه الشهادات جاهر، داخل صفوف "التيار" وخارجها أيضًا، بمعارضته سياسات الجنرال العائد وتوجهاته الجديدة، لذا سوف تُنشر شهاداتهم بأسمائهم الصريحة. أمّا البعض الآخر من الذين هُمّشوا وأزيحوا ولا يزالون على صلة تنظيمية وسياسية بـ"التيار" فقدّموا شهاداتهم راغبين عدم نشر أسمائهم الصريحة، لذلك سوف تُنشر شهاداتهم من دون ذكر أسمائهم، أو سوف يتمّ الإضاءة عليها ضمن مجموعة شهادات أخرى.
ضمن سلسلة من شهادات عدد من قدامى الناشطين الأساسيين في "التيار الوطني الحر" منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، إلى أن همّشتهم وأخرجتهم عودة مُلهم "التيار" الجنرال ميشال عون من منفاه الفرنسي في 2005، يستهلّ عبد الله خوري شهادته بالقول:أنا المسيحي اللبناني المؤمن تاريخياً بأنّ لبنان المعاصر وُجد لطمأنة المسيحيين التوّاقين الى قيم الاستقلال والحرية، إلى مصيرهم، رأيت أن الحالة السياسية التي أطلقها العماد ميشال عون سنة 1988، لم تولد من فراغ، بل هي متّصلة بجذور تاريخية تعود الى مرحلة الأمير فخر الدين الثاني الكبير التي تُمثّل المرحلة الكيانية اللبنانية الأولى، ومروراً بمرحلة المتصرفية التي تُمثّل الحالة الكيانية الثانية والدستورية الأولى المتمايزة في ظلّ الدولة العثمانية، وأجد أنّ مرحلة الرئيس إميل إده الذي كان توّاقًا إلى إرساء ضوابط تثبّت الحضور المسيحي الحرّ في لبنان، هي الحلقة الثالثة في السلسلة الكيانية هذه. فإميل إده كان يمتلك نظرة استشرافية الى ما قد يصيب المسيحيين في ظلّ غياب هذه الضوابط التي فقدوها في المرحلة الراهنة، ليعيشوا حالاً من الضعف والخوف على مصيرهم.
وإذا كانت مرحلة الاستقلال هي الحلقة الرابعة في السلسلة الكيانية اللبنانية، فإن الرئيس كميل شمعون استطاع أن يكرّس نفسه بطريركًا سياسيًا للمسيحيين في تلك المرحلة. في سياق هذا السرد التاريخي الموجز، بزغ في زمن الخوف المسيحي على الكيان، الحضور الخاطف للشيخ بشير الجميّل ممثلًا الحالة الكيانية التي راحت تتهاوى بعد اغتياله سنة 1982، وكأنه كان مكتوبًا على المسيحيين أن يعيشوا وضعًا مأسويًا أقوى من قدرتهم على الاحتمال. في خضم هذا الوضع المأسوي بين 1982 و1988، كان المخاض العسير الذي ولّد بارقة أمل مع العماد ميشال عون، فرفض المسيحيون، والموارنة تحديدًا، القبول برئيس للجمهورية اللبنانية من خارج مفهومهم لما أسمّيه "العذرية السياسية" المؤمنين بها. وأعني بمفهوم "العذرية السياسية" هذا جملةً من الأمور والصفات التي يجب أن يتحلى بها الشخص الذي يتبوأ سدّة رئاسة الجمهورية اللبنانية. ومن هذه الصفات: قوة الشخصية والشكيمة، التعامل الندّي مع المحيط الإسلامي الكبير، حفاظًا على كرامة الإنسان وحريته، وعلى مفهوم الوطن والمواطن والمواطنية.
اليوم، وبعد مسيرتي الطويلة في خضم الحركة العونية منذ 1988 حتى 2003، أرى أنّ شخصيّتين سياسيتين مسيحيتين فرّطتا بهذه العذرية السياسية الكيانية والوطنية: إيلي حبيقة حين كان رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" وأبرم "الاتفاق الثلاثي" في دمشق سنة 1985، والعماد ميشال عون الذي تحالف مع "حزب الله" بعد عودته من منفاه في باريس سنة 2005. وقد يكون من غرائب أحوال العماد عون السياسية والشخصية أنه لم يحل سابقًا دون التدمير الذاتي للمسيحيين بحربه ضد "القوات اللبنانية" تحت شعار الحفاظ على هيبة الدولة وحصرية اقتنائها السلاح الشرعي، ولاحقًا أعطى سلاح "حزب الله" صفة الألوهة والديمومة الى الأبد.
منذ صباي المبكر، نشأت في قريتي قرنة الحمرا في المتن الشمالي من جبل لبنان، على نفور من فكرة العسكريتاريا السياسية المعروفة والشائعة في العالم الثالث، والبعيدة كليًا عن تكويني النفسي والاجتماعي، والسياسي تاليًا. ففي الرابعة عشرة من عمري تأثرت بطروحات عميد الكتلة الوطنية ريمون إده، وبغيره من السياسيين الذين يُجسّدون مفهوم "العذرية السياسية" في معناه المسيحي والوطني اللبناني. وحين بلغت من العمر 17 سنة في بداية الحرب (1975)، كنت على خصومة سياسية مباشرة مع حزب "الكتائب اللبنانية"، معترضًا على النهج الميليشيوي لهذا الحزب. لكنني اليوم، وبعد كل ما جرى، أرى أن حزب الكتائب حمل على اكتافه مسألةً كيانيةً لبنانية لو شاءت الظروف والأقدار أن ينجح في الوصول بها الى الغاية المرجوة، لتجنّب المسيحيون ولبنان الكثير من الويلات والمآسي. فالقوى المسيحية اللبنانية، وعلى رأسها حزب الكتائب، وجدت نفسها منذ 1969 في مواجهة التمدّد والسيطرة العسكرية الفلسطينية، شاءت هذه القوى أم أبت، فأقبلت، مرغمةً لا مختارة، على مجابهة هذه السيطرة بالعمل الميليشيوي المسلح الذي لا طاقة لي، أنا شخصياً، على الانخراط فيه...
هكذا وجدت نفسي ومجموعة كبيرة من مجايليّ ورفاقي في الكتلة الوطنية في المتن الشمالي، منجذبين الى شعار العماد ميشال عون: "سيادة، حرية، استقلال"، الذي أطلقه من قصر بعبدا الرئاسي سنة 1988، معتبرين أننا نستطيع استكمال مسيرتنا ورسالتنا السياسيتين، تحت لواء مثلث القيم هذه، فأسّسنا ما سميّناه "تجمّع المتن الشمالي الحر"، وزرنا حينها العماد عون في القصر الجمهوري. الانطباع الخاطف الذي حصلته عن الرجل في تلك الآونة، وأنا الآتي من تجربة تنفر من العسكريتاريا السياسية، أنه شخص يربض على كينونة عسكرية، ويمتلك من الفكر السياسي ما يدعوني ورفاقي الى الانخراط معه في مشروع ومسيرة سياسيّين، فانضوينا، كغيرنا من المجموعات الكثيرة المتباينة، في "المكتب المركزي للتنسيق" الذي جمع أنصار "الحالة العونية"، أو "جماعة العماد عون" كما كنا نسمي أنفسنا في تلك الفترة. والحالة هذه التي أطلقها عون في المجتمع المسيحي وقواه الاجتماعية الحيّة وفي قواه وأحزابه السياسية، كانت آنذاك، جوابًا مطلوبًا وشافيًا عن حال الإرهاق والاختناق والترهّل التي أصابت هذا المجتمع المنهك والمتذمّر من السيطرة الميليشيوية العسكريتارية المتصارعة والخانقة لـ"القوات اللبنانية" عليه في الثمانينات من القرن الماضي.
أما وظيفة "المكتب المركزي للتنسيق"، فكانت إيجاد إطار يلمّ شمل المجموعات الكثيرة، المختلفة والمتباينة، التي استقطبها الخطاب العوني، ويفعّل نشاطها، ويؤطر إرادة الفئات الشعبية الواسعة التي استجابت للحركة العونية، فاحتشدت بمئات الألوف من الناس أمام قصر بعبدا الرئاسي في تلك الايام. والحقّ أننا نحن الشبان الناشطين القادمين، مجموعات وأفرادًا، من كل حدب وصوب وجهة ومنطقة وميل وهوى سياسي، لم نكن متجانسين ولا متشابهين، ولا تجمعنا رابطة سياسية تنظيمية واضحة، سوى تلك المساحة الإنسانية والفكرية التي أتاحها نداء العماد ميشال عون في كلماته الثلاث المعروفة التي وقعت علينا وقع الحقيقة السحرية الناصعة، كأننا كنا، نحن المتذمرين مما وصل اليه مجتمعنا ووصلت إليه بلادنا، في حال انتظار لمن يُخرجها (الكلمات) من نفوسنا وجوارحنا ويُطلقها في العلنية العامة.
كان توجّهنا، نحن كوادر الحركة العونية، يقوم على التواصل الفكري والسياسي مع غيرنا من القوى والجماعات السياسية في كل المناطق اللبنانية. فتولّى رفاق لنا في "المكتب المركزي للتنسيق" التواصل مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وحزبه، وتولّى آخرون نسج علاقة مع "حزب الله"، وتولّيت أنا في المتن الشمالي الاتصال بقيادة الحزب "السوري القومي الاجتماعي" في ضهور الشوير وبولونيا. وكانت لنا منذ بداية 1990 لقاءات متكرّرة مع القيادة والمسؤولين في الحزب "السوري القومي الاجتماعي"، غالباً ما كان يستضيفها ويرعاها، آنذاك، أسعد حردان عميد الدفاع في الحزب. وقد أثمرت في 15 حزيران 1990 فتح طريق الدوار – ضهور الشوير أمام المرور الطبيعي بعد أن كانت مقفلة سنوات طويلة. وفي 11 تشرين الاول 1990 اتصل بي السيد حردان وطلب مني الحضور إليه، فقمت مع المسؤول العسكري للحزب في المتن الأعلى، بجولة على طول الطريق التي تربط ضهور الشوير ببلدة عينطورة المتنية حيث شاهدت بأمّ العين أرتال الدبابات وحاملات الجند والشاحنات العسكرية في صفوف طويلة لا تنتهي، فأيقنت أن القيادة السورية أصبحت جاهزة للإنقضاض على المنطقة الحرة التي كان العماد عون يصونها، لإقصاء الحكومة اللبنانية الشرعية والدستورية. وبعد الجولة عدنا الى الاجتماع بالسيد حردان حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة في 11 تشرين اول 1990، فاقترح علينا الاتصال بالعماد عون والتمني عليه الموافقة على اتفاق الطائف لتأمين المخرج الهادئ وتجنّب ما قد ينجم عن عدم الموافقة عليه. بعدها علمت من السيد حردان أنّ هناك فكرة نضجت تقوم بموجبها كادرات تُمثّل العماد عون بزيارة شتورا للاجتماع مع العميد غازي كنعان في السابعة والنصف من صباح 13 تشرين 1990. لكنّ سيف الانقضاض العسكري السوري على المنطقة الحرة متزامناً مع هذا الموعد، كان أكثر إنباءً من كل اجتماع.
منذ بدايات إنطلاقته سنة 1988 حتى أوائل الالفية الثانية، استطاع التيار العوني أن ينمو ويتّسع في المجتمع المسيحي اللبناني، ويخاطب بيئات أخرى كثيرة في الجماعات والتيارات السياسية غير المسيحية في لبنان. إذ إنّ الخطاب السياسي العوني جذب إليه مجموعات شبابية واسعة من التيارات السياسية التاريخية الفاعلة في المجتمع المسيحي، وحظي بتأييد واسع في البيئات والقواعد الشعبية لهذه التيارات. ويمكن القول إن "الحالة العونية" استطاعت أن تفرغ الكثير من الأحزاب والقوى السياسية المسيحية من مضمونها ومحتواها على صعيد الحجم الشعبي والأطر والفاعلية التنظيمية. ذلك أنّ مجموعات كثيرة من مناصري هذه الاحزاب والتيارات وكوادرها الفاعلين، التحقوا بـ"الحالة العونية" التي لم تكن مجموعاتها متجانسة ولا متشابهة في مصادرها السياسية والاجتماعية، ولا في توجهاتها الفكرية، ولا في أطرها التنظيمية الفضفاضة. وهذا ما كان يُشكّل عامل قوة وحيوية في نشاطاتها المختلفة والمتنوعة. وكان الرابط الذي كان يجمع بين مجموعات الحركة العونية، أقوى بكثير من الروابط السياسية -الاهلية التقليدية، ومن السجالات والعلاقات القائمة في المجتمع المسيحي وغير المسيحي أيضًا. فالمبادرات العفوية والموضعية النابعة من خيارات المجموعات والأفراد واختباراتها والتفاعل في ما بينها، وابتكار أشكال التحرّك والتنظيم، شكّلت خروجًا على مألوف الحركات السياسية اللبنانية المعروفة. وهذا ما جعل هذه الحركة السياسية بعيدة عن الدوغمائية والعقائدية والبراغماتية والمحسوبية والاستزلام والنفعية السائدة في العمل السياسي، وأدّى الى مدّها بالزخم في مجتمع مسيحي مكبوت ومقموع وخائف في حقبة الاحتلال السوري الطويلة.
ومما جعل هذه الحركة السياسية غير مسبوقة أيضًا، هو حركتها ونشاطها في إطار المبادىء الأساسية لمفهوم الوطن والمواطن وحريتهما، وتحت عنوان عام وأساسي قوامه مفهوم الحقّ الطبيعي في الحراك أو التحرّك السياسي الذي لا يخضع للترخيص والمراقبة في الدول التي تطبق شرعة حقوق الانسان ومبادئها. وقد يكون هذا كله ما حمل الاستاذ منح الصلح على القول ذات مرّة عن الحركة العونية، إنّ "هؤلاء القوم أعطوا أفضل ما عندهم وفي نفوسهم".
لكنّ المفجع في الأمر أنّ عودة العماد ميشال عون من منفاه الفرنسي الى لبنان في 7 ايار 2005، ذهبت بتجربة "التيار الوطني الحر" أثناء غيابه، ادراج الرياح والأهواء الشخصية لمُلهم هذه الحركة. فالكثير من المجموعات والكوادر الناشطة والتي تكوكبت وصنعت تجاربها في هذا التيار العريض، قامت بحركة عكسية أو معاكسة للحركة التي استمرّت طوال عقد ونصف العقد من السنوات في غياب العماد ميشال عون، فراحت تنفضّ عن التيار وتخرج من صفوفه حائرةً خائبة، لتعود الى الجماعات والتيارات السياسية التي كانت قد خرجت منها في الوسط المسيحي اللبناني.بين 1991 و2000 عاشت الحركة العونية منعطفات وتحولات كثيرة، يمكن اليوم اختصارها في العناوين أو المحطات الرئيسة التالية:
- 1991 – 1992 كانت مرحلة توزيع البيانات وكتابة الشعارات على الجدران، في خفاء الليالي والخوف، فيما كان الاحتلال السوري، عبر وزير إعلامه اللبناني ميشال سماحة، يمنع إذاعة أغنية لفيروز، لأنها ترمز إلى مرحلة العماد عون.
- في 1992 قمنا بأوسع مقاطعة للانتخابات النيابية، فبلغت نسبة المقاطعة 87 في المئة.
- شهد عام 1993 بدايات النشاط الطالبي العوني الواسع في الجامعات والمدارس الثانوية، فأصبحت هذه البؤرة الأساسية للاحتجاج السياسي على الاحتلال السوري.
- بين 1993 و1995 توسّع النشاط العوني إلى النقابات المهنية، فخضنا المعركة النقابية الأولى الناجحة في نقابة الأطباء، وفزنا برئاستها بشخص الطبيب فائق يونس. أما في نقابة المهندسين فترسّخ حضورنا، وأوصلنا الاستاذين حكمت ديب وسليم الشمالي إلى عضوية مجلس النقابة. وفي هذه المرحلة أسسنا ايضًا "المنبر الوطني" الذي أعدّ ونشر الكثير من الأبحاث والتقارير والمذكرات التي تشرح توجهاتنا ومواقفنا، وأرسلها الى منظمات وهيئات سياسية محلية ودولية. وعلى الصعيد التنظيمي أوجدنا ما سُمّي "المنسقية العامة" لـ"التيار" برئاسة اللواء نديم لطيف. أما الإطار العام الواسع الذي ضمّ القوى السياسية المعارضة للاحتلال السوري، فكان "المؤتمر الوطني" الذي شاركنا فيه إلى جانب "المعارضة الكتائبية" وروجيه اده، حزب الوطنيين الأحرار، ومجموعات الكتلة الوطنية. وقد عقد هذا "المؤتمر" خلوات في باريس في حضور العماد عون.
- في 1996 خضنا معركة مقاطعة الانتخابات النيابية في لبنان.
- سنة 1998 عشنا منعطفًا سياسيًا أساسيًا تجلّى في مشاركتنا في الانتخابات البلدية، وكانت هذه مشاركتنا الأولى في ما يُسمّى الأجسام التمثيلية الوسيطة. وقد كُلّفت مع نبيل لحود وإلياس أبو غصن الإدارة الميدانية لمشاركتنا في الانتخابات البلدية. وأذكر أنني وضعت تقريرًا عن هذه التجربة خلاصته اقتراح بعدم إقحام "التيار" في زواريب المناطق والعائلات، وقد كرّرت هذا الرأي في مناسبات لاحقة مماثلة.
- في 6 شباط 1999، كانت الإطلالة العلنية والتنظيمية الأولى لـ"التيار الوطني الحر" من فندق "ألكسندر" في الاشرفية، حيث أعلن عن مسؤولي المناطق والأقضية والقطاعات، وأعلنّا رسميًا عن التنظيم الذي ضمّ 22 هيئة نقابية ومهنية وطالبية ومناطقية، ليشكّل رؤساء هذه الهيئات الجمعية العامة أو الهيئة العامة التي كانت برئاسة اللواء نديم لطيف. وإلى جانب هذه الهيئة تشكّلت هيئة سياسية من 12 عضوًا برئاسة الاستاذ يوسف سعدالله الخوري، وكان دورها متابعة الشؤون السياسية والرقابة على عمل الهيئة العامة. وكانت الهيئتان تجتمعان دوريًا بالتنسيق الكامل مع العماد ميشال عون.
- في 7 آب 2001 دُهم المقر الرئيس لـ"التيار الوطني الحر" واعتُقل معظم كادراته على أيدي أجهزة سلطة الوصاية السورية. فأعقب ذلك إعادة "كودرة" ثابتة وسريعة للجسم التنظيمي لـ"التيار".
- في 2002 و2003 خاض التيار المعركة النيابية في المتن الشمالي بحضور لافت وأساسي داعمًا السيد غبريال المر. ثم خاض "التيار" أيضًا المعركة النيابية في قضاءي بعبدا وعاليه عبر مرشحه حكمت ديب، بكثافة عدديّة لمناصريه، وتنظيم قلّ نظيره.طوال هذه الحقبة من النشاط والمنعطفات والتحولات، لم يكن عدد كوادر "التيار" الأساسيّين والفاعلين والمنظمين يتجاوز الـ300 شخص، ويمكن تسميتهم النواة الصلبة الأساسية في الجسم العام لحركتنا السياسية النضالية.
"التيار الوطني الحر" جمع في صفوفه ناشطين وناشطات من فئات متوسطة وما دون المتوسطة والشعبية. والجهد المضيء الذي بُذل كان كثيفًا ومضنيًا في ظروف صعبة من المطاردات والملاحقات والاعتقالات اليومية للناشطين الذين كان عليهم متابعة نشاطات وشؤون كثيرة: "التأطير، التنظيم والكودرة" وصوغ البيانات والمواقف السياسية والإعلامية وتوزيعها، بالإضافة إلى إحياء ندوات ومحاضرات وإقامة اجتماعات أسبوعية وإطلاق نشاطات مختلفة منها التظاهرات في مناخ من القمع والمطاردة اليوميين، وكذلك متابعة شؤون المعتقلين والسجناء من "التيار" مع محامين ومع أهاليهم. وفوق هذا كله كان على الناشطين تأمين معيشة عائلاتهم ورعايتها في جوّ من الخوف الدائم والدهم والاعتقال.
أثناء حملة الدهم والاعتقالات الجماعية الواسعة التي تعرّض لها "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" في 7 و9 آب 2001 (أسفرت العملية عن اعتقال نحو 120 من كوادر قيادة "التيار" العليا والوسطى، ونحو 80 آخرين من "القوات")، وقامت القوى الأمنية المسيطرة حينها بإقفال مقرّنا، فعقدنا اجتماعًا في منزلي في قرنة الحمرا، ليلة 9 آب، ضمّ نحو 200 ناشط من "التيار" للتداول في آخر المستجدّات. أذكر هذه الواقعة – المنعطف، المشهود لها في تاريخ حركتنا ونشاطنا السياسي، لكي أشير الى الشجاعة والجرأة اللتين حملتا محطة الـM.T.V التلفزيونية ومديرها غبريال المر على فتح المحطة لبثّ يومي مباشر دفاعًا عن المعتقلين وقضيتهم، مما حمل السلطة، لاحقًا، على الانتقام من الـM.T.V بإقفالها وإسكات صوتها.
بعد حملة الدهم والاعتقالات تلك، ونتيجة المشاورات مع العماد ميشال عون في فرنسا، إستقرّ الرأي في "التيار" على أن يُعيّن عون قيادة ظرفية وموقتة، باسم "الهيئة التنفيذية"، مهمتها لملمة صفوف "التيار" وتسيير شؤونه في ظلّ الأوضاع التي نجمت عن حملة الاعتقالات. واذا كان هذا الاجراء قد أغضب بعض الناشطين الأساسيين الذين قدّرت موقفهم وملت الى رأيهم، فإنّ الظروف العامة في "التيار" لم تكن تسمح آنذاك بإجراء انتخابات تمثيلية فعلية، لذا عيّن الجنرال عون اللجنة التنفيذية الموقتة على النحو الآتي: إلياس الزغبي للتوعية، حكمت ديب للنشاطات، عبدالله خوري للتعبئة والتنظيم، ميشال شدرليان للعلاقات العامة، جورج حداد للاعلام، جبران باسيل للشؤون الإدارية، وفادي بركات لشؤون حقوق الإنسان ونقابة المحامين.
إستمرّ الوضع التنظيمي لـ"التيار الوطني الحر" على هذه الحال حتى الانتخابات النيابية الفرعية في بعبدا – عاليه في ايلول 2003، والتي سبقتها انتخابات المتن الشمالي الفرعية في العام 2002 حين جسّدت الانتخابات معركةً وطنيةً شاملة في مواجهة الاحتلال السوري ورموزه المحلية، وعلى رأسها ميشال المر صاحب الحجم الاكبر في المتن الشمالي، اضافةً إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي، وسائر المنظومة التي ما أن عاد الجنرال عون من منفاه الفرنسي في 2005، حتى تحالف معها مجسداً دور ذئبة روما المرضعة لهؤلاء جميعًا.
أما بعد انتخابات بعبدا – عاليه، فقد انتبهنا في "التيار" إلى أنّنا إكتسبنا من خلال هاتين المعركتين الانتخابيتين استقطابًا واسعًا وكثيفًا يستدعي إعادة الهيكلة التنظيمية لصفوفنا كي تتمكّن من استيعاب الطاقات الجديدة وتنظيمها وتنشيطها وتركيز حضورها، وصولا إلى إطلاق الحيوية النضالية والسياسية والخروج من التعب التنظيمي. وأنا بصفتي مسؤول التعبئة العامة في "التيار" نقلت إلى الجنرال عون هذه المسألة. وأثناء التواصل معه قال إنّ التشاور جار لوضع ترتيبات جديدة تؤدي إلى إعادة هيكلة "التيار" وإطلاق نشاطه، واتفقنا حينها على تشكيل مجموعات مهمّتها طرح الأفكار والاقتراحات حول الإطار التنظيمي، وجمعها وتحليلها وتنسيقها وتبويبها وبلورتها. وبناء على هذا الاتفاق تشكّلت، بالتشاور مع الجنرال، نحو 18 مجموعة باسم "مجموعات الاستشعار" (نحو 300 شخص) التي راحت تجمع الأفكار والاقتراحات والتجارب وتصوغها كتابة، لإرسالها إلى العماد عون لدراستها. لكن قبل إرسال عُصارة هذا العمل إليه في باريس، فاجأنا العماد بإرساله إلينا قرارًا بمشروع تنظيمي كامل وجاهز، يُعيّن بموجبه 220 كادرًا في مواقع "التيار" التنظيمية كافة، من مسؤولي المناطق والهيئات النقابية المهنية والعمالية والطالبية والإدارية كلها، بالإضافة إلى مساعديهم.
كان القرار غريبًا ومفاجئًا، وضاربًا عرض الحائط بكلّ ما اتفقنا عليه، وكذلك بنشاطنا وجهدنا التنظيمي اللذين بذلا في "التيار" كله وفي "مجموعات الاستشعار"، لنكتشف أنّ غاية إعداد الاقتراحات والمناقشات لم تكن أكثر من إلهائنا وصرف انتباهنا عما كان العماد عون يطبخه في باريس مع أقاربه من أمثال آلان ونعيم عون وجبران باسيل، لتعيين الهيئات التنظيمية في "التيار" كأننا لم نكن سوى مطية لإيصال حاشيته التي أطبقت على مفاصل "التيار الوطني الحر" تأمينًا لتغطية المرحلة المقبلة، وما سوف نشهده من التفاف على الغاية النبيلة التي تأسّس لأجلها.
حصل تململ في صفوف "التيار" آنذاك. أنا ومعظم الناشطين في "التيار" في منطقة المتن الشمالي، سجّلنا اعتراضنا على القرار التنظيمي الجديد، فجمعنا تواقيع أكثر من 30 كادرًا في المنطقة وأرسلناها إلى العماد عون، ثم اتصلنا به وقلنا له إنّ المشروع لن يمر. لكن الاعتراضات كانت كثيرة ومتباينة بين ناشطي "التيار" في الكثير من المناطق. وهي تراوحت بين الاعتراض من دون الجهر به علنًا وبالأسماء، وبين التململ الحائر والصامت. وهؤلاء المعترضون سرعان ما تبينوا أنّ خطوتنا العلنية في الاعتراض كانت صائبة، لذا راحوا يغادرون صفوف "التيار" في مراحل متلاحقة، فشكّل خروجهم نزيفًا مستمرًا منذ ذلك الحين حتى الساعة، مرورًا بمرحلة عودة العماد عون من المنفى سنة 2005. وهكذا صار الهيكل التنظيمي لـ"التيار الوطني الحر" كناية عن جماعة عصبوية تأتمر بأوامر عمادها، وقوامها إطار ديكتاتوري ركيزته إطلاق الأوامر والأحكام وتنفيذها، واحتكار الإطلالات الإعلامية المحصورة بالحاشية الضيقة.
عشية انتخابات بعبدا - عاليه الفرعية، بدأ ظهور السيد إبرهيم كنعان في خضم التحضير للمعركة الانتخابية. وجاء حضوره هذا بمعية الأستاذ حكمت ديب، وقد فوجئ وقتها ناشطو "التيار" بظهور كنعان غير المعروف من قبل بحضوره في حركتنا ونشاطاتنا، بينما كان الرجل يتردّد على البيوت السياسية كلها في المتن الشمالي، طامحًا في ولوج باب النيابة. وحين لم يحالفه الحظ مع أيّ من تلك القوى، انتقل بعدّته المادية إلى كنف "التيار الوطني الحر". لذا قمت بمعارضة قوية داخل "التيار" لسلوك إبرهيم كنعان وحضوره وسخائه المالي داخل "التيار" حيث أراد أن يفتح بازارًا سياسيًا. وهذا ما حاولت إفهامه له شخصياً، قائلاً إن "التيار" غير مدرج في لوائح البورصة التي يحاول مع بعض أقارب العماد عون إدراجه فيها، عبر السخاء المالي. فنحن قيمة إنسانية ونضالية وتاريخية لا تُعرض في البورصات. وهكذا راحوا يهدّدوننا بأنهم سوف يوصلونه إلى النيابة، قائلين إنّ سبب رفضي سلوكهم هو عدم اختياري أنا شخصيًا للترشيح إلى المقعد النيابي. غير أنّ الذي يحلم بمقعد نيابي عبر تزكية العماد ميشال عون ورغبته، حيث تلعب الولاءات والاستزلام في هذه الدائرة، لا يقوم بمعارضة تنظيمية في داخل "التيار" منذ ما قبل الانتخابات، بل يسكت ويستكين ويوالي ويستجيب وينتظر متحيناً الفرص. هذا مع العلم أنّ العماد عون نفسه كان يقول ويردّد انّ اللجنة التي عيّنها وضمّتني آنذاك في أواخر العام 2003، كانت تضمّ أبرز مرشحي "التيار" لانتخابات الـ2005.
ظاهرة إبرهيم كنعان في 2003، صارت هي السائدة بين مرشحي جماعة عون في انتخابات 2005 النيابية العامة، بعد عودة الجنرال الى لبنان. إذ إنّ أثناء التحضير لهذه الانتخابات أقيم في الرابية بازار نيابي، ضرب عرض الحائط بديهيات ما ترقى إليه القوى المقاومة سلميًا للاحتلال السوري.
أنا الذي كنت أحاول المشاركة في صوغ أطر تنظيمية تتناسب مع مرونة النضال والنشاط السياسي لـ"التيار الوطني الحر"، اكتشفت في أواخر العام 2003 النازع الديكتاتوري في سلوك العماد عون وتصرفاته. ومع رفاقي في المتن الشمالي سجّلنا اعتراضنا العلني في نهايات ذلك العام نفسه. وهنا أذكر من وقائع الاتصالات مع العماد عون آنذاك، أنه قال لي ولرفاقي المعترضين، حرفيًا: "أنتم لا تمتلكون ثقافة متمكّنة في الديموقراطية. فالرئيس الأميركي، في أفضل الديموقراطيات، يتّبع مبدأ تعيين إدارته الجديدة". وعلى ما أذكر كان جوابي له الآتي: "الرئيس الاميركي يُعيّن مستشاريه فقط، حضرة الجنرال، وبعد أن تحصل مشاورات بينه وبين الكونغرس الذي يوافق على التعيين. لكنّ الرئيس الاميركي لا يُعيّن الكونغرس. أما أنت فقد عيّنت الكونغرس والمستشارين والوزراء، جنرال، من دون الرجوع الى أية هيئة أو الاستناد إلى أي ضوابط. لذا نحن لن ننفّذ، جنرال". وفي نهاية الاتصال قال: "مرقلي هـَ الموضوع، وبعدين منعمل اللازم"، فجاوبته بأنني أعتذر، لأنني لست من المساومين.
ربما عليّ أن أذكر أنني كنت قد علمت مسبقًا أنّ الرجل كان يمهد السبل لعودته إلى لبنان، ضاربًا عرض الحائط بالأسباب كلها التي أوصلته الى التوهّج، كأنه لم يكن يرى في الجمهور العريض الذي استجاب نداءه وحمل لواء قضيته الوطنية، أكثر من مطية للوصول. أقول هذا لأنه تبيّن لي من خلال معلومات وصلتني آنذاك من العاصمة الفرنسية في العام 1994، تفيد أنه كان يستقبل مسؤولين في النظام السوري، لتكون عودته على حساب القيم التي ناضلنا من أجلها وحساب المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. وفي هذا المجال لم يعد سرًّا ما أكّده مرارًا السيد فائز القزي عن الكثير من تبادل الاتصالات وتبادل التحيات التي قام بها بين القيادة السورية والعماد ميشال عون تأمينًا لعودته الى لبنان، وكيف أنّ الرئيس إميل لحود دخل على الخط عبر مبعوثين الى باريس، أتمّوا صفقة العودة.
في الاتصال الأخير بيننا أذكر أنني قلت للجنرال عون إننا كلانا "نتساوى في الكرامة، رغم تفاوت المسؤوليات بيننا، لكنني أستطيع القول إنك حوّلت شخصك إلى صنم، ودخلت إطار الصنمية، بدل أن تتفاعل. ورغم قوة نبضك التاريخي ونبض حركتك السياسية (وكان الجنرال يستمع من دون تعليق)، دعني أقول لك إنّ عبادة الناس لشخصك بدأت تحملهم على أن يُسمعوك ما تحبّ أن تسمعه من الكلام، لكنني أؤكد لك أن العبادة والتسليم الكامل لشخص واحد يعطّل دور العقل والمنطق والتفاعل الحر بين البشر، فكيف في حركة سياسية"؟!
حدث ذلك في أيلول 2004 وكنت منذ أواخر العام 2003 قد جمّدت نشاطي في "التيار" الذي رأيت أنه لم يعد سوى جماعة الجنرال عون أو التيار العوني بامتياز.
كنا نحو 30 من رؤساء الهيئات في المتن الشمالي، حين جمّدنا نشاطنا في "التيار الوطني الحر" في أواخر ذلك العام. أما إطار تفاعلنا فكان يشمل نحو 500 شخص على الأقل في هذه المنطقة. وهؤلاء خرجوا في معظمهم من صفوف "التيار" الذي تنكّر لهم من دون أن يرفّ لأحد جفن. وهذا دليل على القدر الكبير من قلّة المسؤولية السياسية والوطنية والتضحية بكل شيء على مذبح الأنانيات والوصولية والمصالح الشخصية وتعظيم النفس.
إذا نظرنا اليوم الى سلوك العماد ميشال عون السياسي ومواقفه العامة والشخصية كلها مقارنة مع بداية حركته سنة 1989، في ضوء المنعطف الكبير والخطير الذي أصاب "التيار الوطني الحر" منذ عودته الى لبنان سنة 2005، نستطيع أن نربط ذلك بتأزيمه الوضع اللبناني الراهن منذ نهايات سنة 2006. والرابط العميق بين هذين الوضعين المتباعدين زمنًا هو شخص العماد عون الكريم الذي يقوم على معادلة: أنا أو لا أحد.
فالرجل الذي تصرّف ويتصرّف بتيار شعبي، سياسي وتاريخي عريض لدى المسيحيين، على النحو الذي انتهجه العماد عون في تصرفه بهذا التيار العريض الذي يجسّد قلقًا على المصير وتوقًا إلى خلاص دستوري يضمن حقّ المسيحيين في الحرية والاستقلال والكرامة، ليس برجل سياسة ومسؤولية، بل هو رجل مقامرة. وفي هذا المنظور أجد أن لا "حرب التحرير" ولا "حرب الالغاء" كانتا خطأ، أو ناجمتين عن سوء التقدير - مع تأكيدي المطلق على الدور السوري المعتدي في تلك الحقبة - بل تُجسّدان حادثين كبيرين في سياق مقامرة متّصلة يقوم بها رجل يقول اليوم في نفسه: أنا آخر ما يهمني أن يرضى المسيحيون عني أو يغضبون مني، ما دام مليون شيعي يأتمرون بأوامري. ومن يسترسل على هذا النحو مع أوهامه وصورته العظيمة عن نفسه، وجب عليه أن يفقه ألّا دور له في ولاية الفقيه سوى أنه أصبح يلي القرار ولا يصنعه.
منذ سنة 1990 كان لـ"التيار الوطني الحر" رأي واضح وصارخ في سياسات "حزب الله". وهو كان ينفرد بهذا الرأي الواضح بناءً على منطلقات الفكر الكياني اللبناني لـ"التيار" منذ انطلاقه في مواجهة الاحتلال السوري. وطوال حقبة هذا الاحتلال كانت لـ"التيار" مواقف واضحة وصريحة من مسألة الفساد الذي كان مستشريًا في الطبقة السياسية الحاكمة والموالية للنظام السوري.
أما الانعطافة التي انعطفها "التيار" منذ عودة الجنرال عون سنة 2005، وتحالفه مع "حزب الله"، فجعلتاه حكمًا متحالفًا مع النظام السوري. وحين يُسأل العونيون اليوم عن هذا الأمر، وعن منحهم البراءة للنظام السوري مما حدث ويحدث في لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تراهم يتحدّثون عن الفساد والتخريب اللذين حصلا في البلاد إبان الاحتلال السوري، محمّلين المسؤولية عن ذلك للرئيس رفيق الحريري والفريق السني في لبنان. وإذا كانت هذه الوجهة قائمة في التسعينات، فإنها أصبحت أكثر من واهية منذ سنة 2005، وهدفها الوحيد تبرير التحالف بين العونيين و"حزب الله"، ومنح البراءة لنظام دمشق.
لقد هيمن اليوم العامل الشخصاني والإطار الشخصاني على توجّه جماعة العماد عون. والشخصانية هذه بدأت في البروز منذ سنة 2003، وتضخّمت منذ ذلك الحين، حتى جرى اختزال "التيار" بأشخاص، منهم إبن أخت العماد عون ألان عون وصهره جبران باسيل. فمنذ سنتين وتحديدًا في 12 نيسان 2006 صرّح عون لصحيفة "السفير"، قائلاً: لو كان في "التيار" خمسة أشخاص مثل جبران باسيل، لكنت استغنيت عنه. وهذا يُشكّل إهانةً صارخةً على مساحة "التيار الوطني الحر" من لبنان إلى أصقاع المغتربات.
منذ سنة 2005 جذبت أضواء العمل العام والسلطة الجماعة العونية، من دون أن تدخل الى السلطة أو تتمثّل فيها. والنجاح الباهر الذي تحقّق لهذه الجماعة في الانتخابات النيابية الأخيرة، جعل البعض منها يعيش في حال انتظار ولوجه باب النيابة والوزارة والوظائف الحكومية الأخرى، معتبرًا أنّ دخول العماد عون الوزارة، من دون وصوله إلى الرئاسة الأولى، سوف يمنحه عددًا من الوزراء والمدراء العامين في الدولة، ولا بدّ أن تكون هذه المناصب من نصيب المحظيّين.
هذا من دون أن ننسى أن شريحة كبرى من العونيين الذين أوكلوا مصيرهم وتطلعاتهم وآمالهم الى العماد ميشال عون، تتمتّع بنوايا حسنة وطيّبة، فإن المستمرين اليوم في الدائرة المقربة من العماد عون، قرّروا تجيير ذواتهم وقناعاتهم ومصائرهم كلّها للعماد عون، من دون رأي ولا مساءلة، معتبرين أنّ الرجل ألمع وأذكى من الجميع، ويستطيع وحده التفكير عن الجميع واتخاذ القرارات عنهم وباسمهم.
أخيراً يمكن تقسيم الجماعات المستمرة في ولائها للعماد عون اليوم، إلى ثلاث فئات:
- فئة الوطنيين اللبنانيين المسلّمين، ببراءة وعلى السجية، زمام أمرهم وولائهم لشخص العماد عون الذي حمل لواء القضية منذ سنة 1989.
- فئة أصحاب المصالح والمآرب من المتسلّقين والوصوليين الموعودين بالنيابة والوزارة والوظائف الحكومية في الفئة الاولى.
- فئة كانت تسبح داخل إطار التضامن والتكامل بين العماد عون والرئيس اميل لحود، مشكّلة خيوط الربط بين الرجلين منذ سنة 2003. والفئة هذه هي من المتسلّلين بين الجماعات والمجموعات السياسية، وتحترف الخِدع والألاعيب مدعومةً من أجهزة مخابراتية وأمنية ومالية.
![]()
وقائع جلستين لـ"الهيئة التأسيسية" في "التيار": "الأب – القائد "يأكل" أبناءه"
شهادة عضو في الهيئة السياسية لـ"التيار الوطني الحر"
نستهلّ هذا الجزء بالإشارة إلى أنه وفي أثناء إعداد هذا الملف كنا عازمين على إغنائه بشهادات نسائية من قدامى الناشطات في "التيار"، فاتصلنا بكل من إلسي مفرج وهنيدة إلياس ولينا غريب، فكان جوابهن أن نستمهلهن لمشاورة المسؤول الاعلامي في "التيار" انطوان نصرالله، والحصول على موافقته. وبعد يوم أو اثنين، كان جوابهن - كل منهن على انفراد - أن نصرالله لم يوافق على طلبهن، واعتذرن عن عدم الإدلاء بشهاداتهن. وحين اتصلنا بالمسؤول الاعلامي نفسه وطلبنا منه اللقاء، رفض غاضبًا، وقال إنه لا يتكلم مع من يريد "تهديم التيار الوطني الحر" وإنه لن يسمح لأحد من "التيار" بالإدلاء بشهادته.
فيما يلي رواية تفصيلية ودقيقة عن وقائع جلستين عقدتهما "الهيئة التأسيسية" في حضور الجنرال عون. أما الراوي فكان شرطه الأول ترك اسمه وغيره من رفاقه في الهيئة، مغفلة وطي الكتمان، لأنه ورفاقه لا يزالون داخل أطر "التيار" التنظيمية، وهم لا يعترضون على مواقفه وتحالفاته ونهجه السياسي العام، بل فقط على سياساته التنظيمية الداخلية.
بعد عودة العماد ميشال عون من منفاه الفرنسي في 7 أيار 2005، عقدت "الهيئة العامة" لـ"التيار الوطني الحر" خلوتها الاولى في لبنان بحضور العماد العائد.
في 18 آب 2005 عُقدت الخلوة بفندق "غيست هاوس" - الرابية. و"الهيئة العامة" تضم مجموعة الكوادر المسؤولين أو القياديين في المناطق والقطاعات كلها، النقابية والطالبية والشبابية. وكان على جدول أعمال الخلوة مناقشة النظام الداخلي لـ"حزب التيار" المزمع إنشاؤه.
جلس العماد عون إلى المنصة، وأخذ يشرح وجهة نظره ونهجه الجديدين في العمل السياسي والتنظيمي لـ"التيار"، فقال ما يمكنني تلخيصه في العناوين الآتية:
-1 المناضلون الجيدون ليسوا في الضرورة قادة جيدين.
-2 لا يحق لكل من شارك في نضالات الأمس وتظاهراته، أن يشارك اليوم في قرارات "التيار" السياسية والتنظيمية.
-3 لا يظننّ أحد من قدامى ناشطي "التيار"، أن العائدين الى لبنان سوف يكونون خدمًاً لديهم، ناسبًاً قوله هذا الى زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة، حين عودته الى لبنان من مهجره في أميركا الجنوبية.
-4 المجموعات التي كانت ناشطة بين 1990 و2005، وتضم نحو ألفي ناشط، صارت تشكل اليوم سدًاً في وجه عشرات الألوف من الراغبين في الانتساب الى "التيار".
-5 أنا لا أؤمن بالديموقراطية، بل بالرؤيا.
-6 هناك هوة سحيقة بيني وبين "التيار" الذي عليه أن يلحقني، لأنه مقصّر وفقدت ثقتي به.
نحن، قدامى "الكوادر" ومسؤولو الهيئات القطاعية والمناطقية المختلفة في "الهيئة العامة"، صعقنا كلام الجنرال القائد الذي كنا ننتظر عودته، آملين أنه سوف يقوّم الخلل التنظيمي الذي أصاب "التيار" منذ العام 2003، حين ألغى مبدأ الانتخابات التنظيمية في الهيئات كلها، واعتمد مبدأ التعيين. وذلك عندما تولت محموعة من عائلته ومقربيه، كثيري الأسفار والاجتماع به في باريس، طبخ التعيينات القيادية وتعليبها، بعد التداول معه بأسمائها التي أرسلها مرفقة بقرار مبرم لتنفيذها في لبنان، مما حمل بعض قدامى الناشطين على الاعتراض وتجميد نشاطهم مستائين من مبدأ التعيينات. كان معظمنا يدرك آنذاك أن ما حمل تلك المجموعة من أقارب ومقربي الجنرال على إقناعه بما أقدم عليه، هو شعورهم بأنه حان وقت قطاف ثمار النشاط المتزايد لـ"التيار" وتوسع قاعدته الشعبية على نحو غير مسبوق، نتيجة تراكم نضالاته والتعاطف الكبير الذي حظي به بعد اعتقالات 7 و9 آب 2001، وفي المعركتين الانتخابيتين النيابيتين الفرعيتين في المتن وفي بعبدا - عاليه، في 2002 و2003. أما ما حملنا على الصمت، نحن الذين كنا نعترض على التعيينات، فهو حرصنا على تماسك صفوفنا ونضالنا، وعدم تضييع انتصاراتنا وقضيتنا في خلافات تنظيمية داخلية ينذر ظهورها وتداولها في العلانية العامة الشعبية والاعلامية باهتزاز صورة "التيار" وسمعته.
كما كان من بواعث صمتنا أيضًاً أننا كنا نعتبر أن عودة الجنرال - القائد والأب، سوف تعيد تصحيح الوضع التنظيمي برمته، بعد تعرضه للاضطراب والترهل والفوضى بين عامي 2003 و2005. لكن ما حدث هو العكس تمامًاً، فأطلقت عودة الجنرال العنان لتهميشنا كليًا، وعن سابق تصور وتصميم، في حركة انقلابية على التاريخ النضالي لـ"التيار" ومواقفه وتوجهاته منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي. الدليل الساطع على هذا، كلمة الجنرال نفسه في الخلوة الاولى بعد عودته، والتي ما كانت تعني شيئًاً آخر سوى تكريس إزاحتنا واستبعادنا من التدخّل في القرارات السياسية والتنظيمية، وتنصيب مجموعة قيادية لـ"التيار" عادت معه من الخارج لم تكن بارزة وناشطة، ومعظمها كان يدور في فلك "التيار" على نحو متفاوت، كما أنّ بعضها كان خارج الأطر التنظيمية والنضال اليومي للتيار.
أما العامل الأساسي في تصدّر هذه المجموعة الهيئات القيادية النافذة، فكان القرابة التي تربط بعضهم بالجنرال، إضافة الى المحسوبية والاستزلام. والدور الأبرز في عملية التقريب والتنصيب والاستبعاد والتهميش، لعبه كل من جبران باسيل (صهر الجنرال)، وبيار رفول الذي كان يتولى تأمين لوازم التظاهرات الشعبية تأييدًاً للجنرال حين كان رئيسًاً للحكومة الانتقالية في القصر الجمهوري. وهو كان قد غادر لبنان قبل حرب 13 تشرين الثاني 1989، وهاجر الى أستراليا، وبعدها عاد في أوقات متقطّعة إلى لبنان قبل عودته الاخيرة مع الجنرال سنة 2005.
في خلوة 18 آب 2005 كان من المفترض أن نناقش مسودتين للنظام الداخلي لحزب "التيار" المزمع إنشاؤه. لكنّ الجنرال، بعد كلمته الافتتاحية الصاعقة، إعترض على فكرة وجود مسودتين، وأعلن عن إرادته إقرار المسودة الأخرى، من دون مناقشة، فحصل سجال مباشر لم يفضِ الى أي نتيجة، سوى الاستمرار على تثبيت بيار رفول وفادي الجميّل مسؤولين عن العمل التنظيمي، من دون أي حساب لاعتراضنا قبل انفضاض الخلوة.
داومنا على تسجيل اعتراضنا في لقاءات وجلسات تالية متلاحقة، قبل أن تُدعى "الهيئة العامة" في شتاء 2006، الى جلسة التصويت على المسودة الوحيدة للنظام الداخلي وتعيين الهيئات القيادية كلها، من المكتب السياسي الى الامانة العامة والهيئة التنفيذية، التي احتفظ الجنرال لنفسه مع نائب الرئيس بتعينها كلها، لاغيًاً مسودتنا للنظام الداخلي، والتي تنص على أن تقوم الهيئة العامة بانتخاب ثلثي أعضاء المكتب السياسي الذي يشكل دائرة صنع القرار في الحزب، على أن يًعيّن الجنرال الثلث الباقي من أعضائه.
قبل جلسة التصويت هذه، كان الجنرال قد وعدنا بأنه لن يحضرها، واذا حضر، فلن يتدخل ولن يتكلم. لكنه حضر وتدخّل ولم يترك الكلام لأحد سواه. وحين استمرت المناقشة على غير ما يرغب، أخذته حالة من الانفعال والغضب الشديدين، حتى أنه خرج تمامًاً على طوره، وأخذ يصرخ متوعدًاً. ومما قاله في غمرة غضبه وصراخه: "أنتم لا تفكرون في غير مرحلة ما بعد عون، لأنكم تريدون حزبًاً يدوم ويبقى، قابلاً للحياة من بعدي. أنا أعرف شو بدكن، بدكن تعملوني رئيس حزب وتخصوني". وبين فترة وأخرى، كلما سمع أحدًاً منا يتكلم، كانت تشتد نوبات غضبه فجأة، حتى أنه هجم مرات متتالية على المتكلمين وانتزع الميكروفون من أيديهم.
أخيرًاً جرى التصويت على مسودة النظام الداخلي الوحيدة، فنالت 60 صوتاً من المؤدين، مقابل 57 صوتًاً معترضًاً معظمهم من قدامى الكوادر في الهيئة التأسيسية لـ"التيار" منذ مطالع التسعينات.
بعض الذين صوتوا مؤيدين، فعلوا ذلك تداركًاً لشجار قد يحصل. وهنالك فتيات صوّتن مؤيدات حياءً من الجنرال أو خوفًاً عليه من شدة الانفعال والغضب.
بعد انتخابات المتن الشمالي النيابية الفرعية صيف 2007، طلبنا اللقاء بالعماد عون، نحن الذين يسموننا "مؤسسي التيار" ويبلغ عددنا نحو 160 ناشطًاً من قدامى الكوادر ومسؤولي القطاعات على اختلافها. كانت الغاية من طلب اللقاء، إطلاع الجنرال على رأينا في أسباب فوز مرشح "التيار" بأصوات لا تزيد سوى زيادة ضئيلة على الاصوات التي نالها المرشح المنافس، أي الرئيس أمين الجميّل، معتبرين أنّ مرشحنا ما كان ليفوز في الانتخابات لولا الأصوات التي منحه إياها الشيعة من آل زعيتر في المتن الشمالي، وأن اسباب تدني شعبية "التيار" في الوسط المسيحي ليست سياسية فقط، على ما بينت نتائج الانتخابات المتنية، بل هي تنظيمية أيضاً. فـ"التيار" في رأينا يعاني من فشل واهتراء تنظيميين كبيرين منذ عودة الجنرال عون الى لبنان، ودخولنا معترك العمل السياسي الشعبي المباشر.
رفض الجنرال طلبنا الاجتماع به على نحو جماعي، واقترح أن يستقبل كلاً منا على انفراد ليطلعه على رأيه، فأدركنا أنه يريد اصطيادنا بالمفرق، جريًاً على عادته في اتصالاته بنا من باريس، وفي لقاءاته الانفرادية. فكلما زاره أحدنا واجتمع به ليطلعه على أمر ما يتعلق بأحوال "التيار" وشؤونه، غالباً ما يقول لمحدثه: "معك حق، وهذه المسألة سوف نعالجها، وتلك سوف نحلها. نعم معك حق. كل هذه الأمور سوف تعالج قريباً". ولكثرة ما تكرّرت مثل هذه اللقاءات التي ما من مرة أفضت الى شيء، صرنا نعلم ان ما يُقال فيها يُنسى تماماً ما أن يغادر أحدنا دارته في الرابية، كأنّ شيئًا لم يكن، وما من شيء قيل في هذه اللقاءات.
لذا رفضنا اللقاءات الانفرادية، وطلبنا لقاء جامعًاً كي نطلعه على الحقيقة ونواجهه بها، أي حقيقة التركيبة العائلية وعلاقات المحسوبية والاستزلام والفوضى التنظيمية السائدة في "التيار"، ومن ذلك حصر التصرف بالاموال التي تجمعت في صندوق "التيار" من التبرعات وغيرها منذ سنة 1988 وحتى اليوم، بأسماء أشخاص من عائلته، وحصر العلاقات والقيادة السياسية به وبصهره جبران باسيل فقط لا غير، وحصر العلاقات التنظيمية ببيار رفول. هذا مع العلم اننا اكدنا له ان خلافنا معه ليس سياسيًاً، وحصرنا اعتراضنا في مسألة الادارة السياسية والتنظيمية التي نعتبرها اقطاعية عائلية محصورة بميشال عون وعائلته ومحاسبيه فقط.
أخيرًاً وافق الجنرال على استقبال وفد مصغّر منا ضم نحو 10 كوادر. وما ان اجتمع بهم في الرابية حتى اضاف اليهم كمال اليازجي وجبران باسيل وبيار رفول وعيّن الجميع في لجنة سماها "الهيئة المركزية"، مُراهنًا على نسفها من الداخل وتفشيلها. ثم ما لبث ان غيّر اسم هذه الهيئة فسمّاها "هيئة تقييمية" مهمتها إعداد تقرير حول العمل التنظيمي في "التيار" للنظر فيه ومناقشته لاحقاً. قدّمت هذه الهيئة تقريرها للجنرال ثم حلّت نفسها، على أمل أن يناقش التقرير ويُعاد النظر في الهيكلية القيادية والتنظيمية. لكن أي شيء من هذا لم يحصل وذهبت الجهود كلها ادراج الرياح، ورأينا اننا مقبلون على انتخابات حزبية في "التيار" في نيسان 2008، وعلى انتخابات نيابية عامة في 2009، بينما الأمور كلها تسير من سيىء إلى أسوأ، لتلقي بنا في الهاوية.
مجدداً طلبنا ان نجتمع به جماعيًا، فرفض كالعادة. وهكذا وجدنا انفسنا مضطرين الى عقد اجتماع عام في "التيار". فحدّدنا نهار الاثنين الأخير من شهر آذار موعدًا للاجتماع في فندق "سانشوري بارك" في الكسليك، وذلك للتداول في الحال التي وصلنا اليها، ورفع تقرير مفصل للعماد عون عن مداولاتنا. ولكن عشية موعد الاجتماع صدر عن قيادة "التيار" تعميم وزع عبر البريد الالكتروني، محذرًا الاعضاء من عقد اجتماعات عامة ومناقشة مسائل عمومية تتعلق بشؤون "التيار". خشينا من خروج أخبار وشائعات الى العلن عن خلافات وانشقاقات في صفوف "التيار" في حال عقدنا اجتماعنا المرتقب، فاستبدلناه بوفد منا قام بزيارة العماد عون واطلعه على غايتنا من الاجتماع. كان جوابه للوفد أن صورة مختلفة تمامًا قُدِّمت له عن نياتنا، وهي اقدامنا على اعلان انشقاق في "التيار".
لذا اقترح ان ينعقد الاجتماع العام بحضوره في الرابية "غدًا الثلثاء"، كي نناقش الامور كلها وصولا إلى إقرار خطوات تنفيذية لما يُتفق عليه في هذا الاجتماع.
بعد وقت قصير من خروج الوفد من الرابية، بدأت شائعات تصلنا من هنا وهناك، وتقول أن العماد عون يعتبرنا مجموعة انقلابيين لا تمثل شيئًا في "التيار" وسوف يعلن غدًا طردنا والخلاص منا. وصبيحة الثلثاء راح ضابطان من حرسه يتصلان هاتفيا بعدد منا مهدّدين متوعّدين، لحملنا على عدم حضور الاجتماع المقرر، فيما ركزت اتصالات الضابطين الهاتفية بآخرين على الطلب منهم عدم التعاطي معنا. وكان الهدف من هذه الاتصالات الضغط علينا وضعضعة صفوفنا وتخويفنا وبذر الشقاق بيننا، كي لا يتجرّأ على الاستجابة للاجتماع سوى عدد ضئيل منا. لكن على الرغم من هذا كله وصل نحو 80 كادرًا إلى الخيمة المخصصة للاجتماعات في دارة الجنرال عون في الرابية.
حين دخل الى الخيمة – القاعة، بادَرَنا قائلا: "شو شباب عم بيجمعكم فيلتمان من شان ياخدكم عند الحريري؟!"، وسرعان ما صعد الى المنصة، فيما تحلق حولنا عناصر من أمنه الخاص. وفي هذا الجو المتوتر والمشحون بدأ اللقاء، وعرض بعضنا وجهة نظره في حال "التيار" الراهنة. ويمكن تلخيص ما ورد في المداخلات على النحو الآتي:
بعد عودة الجنرال تحول "التيار الوطني الحر" مجموعة سياسية مسيحية غايتها وهدفها الوحيدان إيصال العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية او الى السلطة فقط لا غير. لذا فَقَد "التيار" معظم كادراته الناشطة والمؤسِّسة. وبعدما كان يضم في صفوفه أشخاصًاً وطاقات لم تتوافر لأي حزب سياسي لبناني من قبل، دخل في حال من الإهتراء والتآكل، نتيجة هدره رصيده وطاقته، بعدما استرسلت قيادته الراهنة في ممارسة العمل السياسي بناء على الحضور الشخصي والمصالح الشخصية. وحتى الجنرال عون نفسه يقول إنه يفضل "الحالة العونية" على "التيار الوطني الحر". والحالة العونية ليست سوى تلك المناخات والأجواء القروية والشعبية التي تؤيد ميشال عون وتريده رئيسًا للجمهورية، أو قائدًا شعبيًاً لم يعد يحتاج إلينا بعد عودته.
أما نحن مجموعة قدامى الكوادر الناشطين الذين قام تاريخ "التيار" النضالي على أكتافنا في أزمنة الخوف والقمع والاعتقال فلا حساب لنا ولا دور الآن، سوى شماتة مجتمعنا وأهلنا بنا، لأننا اصبحنا خدمًاً لميشال عون وصهره جبران باسيل الذي خصص له "التيار" موازنة مالية شهرية تبلغ 16 الف دولار ليصرفها على ولائمه وعزائمه وشراء الاكاليل للأعراس والمآتم. فأين هي إذًاً أطروحات "التيار" عن الاقطاع السياسي العائلي، ما دام متجهاً نحو تأسيس إقطاعية سياسية عائلية. فها هو بيت عون السياسي يهمّش المناضلين، ويمنح الحظوة والمال والزعامة والوجاهة للأقارب والمحاسيب والحاشية. وفوق هذا كله ممنوع علينا محاسبة أحد، أكان وصوليًاً أم انتهازيًاً استعمل "التيار" لمنافعه الشخصية ووجاهته.
في تلك الاثناء، ووسط هذه المداخلات المثيرة والمشحونة، كان الجنرال عون يستمع صامتًاً ومربدّاً، وينشغل أحيانا في تدوين ملاحظات على أوراق أمامه. وفيما كان إبن أخيه نعيم عون يقدّم مداخلته التي لم تكن مختلفة عما ورد في غيرها، انفجر غضب الجنرال عنيفًا كما لم نعهده من قبل. فوقف على المنصة صارخًاً في وجه إبن أخيه معتبرًاً انه رأس الحربة في الهجوم، وظلّ يصرخ مهددًا متوعدًاً حتى طرده من القاعة، ثم قال لنا: "من لا يعجبه فليلحق به". وسط هذه الجوّ من الغضب والصراخ وبعد خروج نعيم عون من القاعة، ساد ذهول بيننا، وراح بعضنا يغادر القاعة تباعًاً وفي صمت تضامنًاً مع نعيم، بينما حاول حرس الجنرال الخاص تهدئة ثورة غضبه وسخطه. أما مساعده توفيق وهبه فقد خرج محاولا استرضاء نعيم وإعادته الى القاعة فيما كان ثلاثة أرباع الحاضرين قد تبعوه في المغادرة.
بعد وقت عاد الهدوء الى القاعة التي لم يبق فيها سوى 20 أو 30 من الذين قرروا متابعة الجلسة بعدما رضي الجنرال بذلك وتمالك غضبه المحموم وجلس مجددا الى المنصة. وحين بدأ أحدنا بالكلام على المساوىء التنظيمية التي شابت معركة المتن الانتخابية التي نعتبرها فاشلة، جنّ جنون الجنرال وأطلق مجددًاً العنان لغضبه وصراخه، قائلاً: "معركة المتن هي الانتصار الأكبر الذي حققته في حياتي السياسية. أنتم وحدكم الفاشلون والسلبيون وغير البنّائين. لو لم تكونوا كذلك لكنتم ساهمتم في محطة OTV التلفزيونية التي ليس من سهم واحد لكم فيها والتي أسستها من أموالي الخاصة. ولا فضل لأي منكم في عودتي من المنفى، انتم الذين احترفتم الجهاد وصرتم مجاهدين وأبطالا على حساب ما أطلقته وأسسته قبل رحيلي من لبنان. وها انتم اليوم عديمو الفائدة. فلو كنتم نافعين في شيء لاشتغلتم وامتهنتم مهنة ما غير الجهاد تدرّ عليكم أموالا وتؤمن لكم مستقبلاً، بدل أن تظلوا عالة على "التيار" ومعدمين ماديًاً".
في هذه اللحظة وقف أحدنا قائلاً في سخرية مرّة، بل مأساوية: "والله ما كنا عارفين هيك، لا يؤاخذنا الجنرال لأننا التهينا في النضال ولم نحصّل ثروة، بل بقينا فقراء وصرفنا ما كنا نحصّله على أنشطة "التيار". وإذا كانت هذه هي جريمتنا، فلا يؤاخذنا الجنرال الذي لا نصلح أن نكون خدمًاً في بيته".
زادت هذه الكلمات من غضب الجنرال، فصرخ مجددًاً: "لا فضل لأي منكم في شيء. لستم سوى عالة على "التيار"، ومجموعة انقلابيين. هيا انصرفوا من هنا، لا حاجة بي لأحد منكم. بل سأعيّن لجنة للتحقيق في الشائعات التي اطلقتموها ضد قيادة التيار".
صامتين واجمين رحنا نخرج من القاعة. بعضنا، بعد تجاوزه بابها، أمسك بطاقة انتسابه الى "التيار" ورماها عاليًاً في الهواء، فيما كان صوته من الداخل يصلنا مهددًا متوعدًاً: "كلكم محالون للمثول أمام لجنة التحكيم، ومن لن يمثل أمامها، سوف أطرده".
هكذا غادرنا منزل القائد الذي لم نكن نعتبره قائدًا فحسب، بل أباً لنا ومثالا وموجِّهاً، نحن قدامى كوادر "التيار" الذين طردنا من بيته كأبناء العقوق والضلال.
بعد هذا الاجتماع راح الجنرال عون يسمينا الانقلابيين ويقول لكل الذين يزورونه انه سوف يحاكمنا ويطردنا. ثم أطل علينا من شاشة تلفزيون "الجديد" لينعتنا بالمدسوسين والمزروعين والانتهازيين والفوضويين الذين يقفون ضد التفاهمات الوطنية ويجب تشحيلهم من شجرة "التيار" التي كبرت كثيرًاً بعد عودته.
لماذا؟ لأنّ القائد الملهم لم يعد في حاجة إلينا بعد عودته من المنفى، ما دام صار في وسعه مخاطبة الشعب العظيم مباشرة من دون وسائط.
فكيف للذي جعل المطالبة بمشاركة المسيحيين في السلطة مطلبه الأساسي، أن يمنع المشاركين في تأسيس "التيار" وفي نضالاته كلها، من مشاركته في شيء، ومن إبداء الرأي في أي أمر، وهو المنادي في كل يوم وساعة باحترام آراء الآخرين والاعتراف بهم؟!، بلى إنه يسمح في أمر واحد: تبجيل كل كلمة يقولها وتقديسها في الصباح والعشية وفي كل وقت.
اما إذا لم نبجّل القائد وكلامه، فتكون مدة استعمالنا قد انتهت، نحن من كان يقول قبل عودته من المنفى، إننا بناة المستقبل، وقادة الغد، وأبطال لبنان، وضمير الوطن. وهو بعد عودته أراد تيارًاً غير الذي عرفناه طوال 15 سنة من النضال ضد الاحتلال السوري والنظام اللبناني التابع له، مجددين في ذلك صرخة القائد – الأب الذي لم يجد ما يقوله لنا بعد عودته سوى عبارة: أنا وحدي "التيار"، ومن أرادني فليتبع حاشيتي، وإلا فانكم تُنكدون مستقبلي.
هل الجنرال العائد هو المستقبل، والاجيال التي وهبت شبابها لـ"التيار" هي الماضي؟
أي مستقبل هذا يَعِد به القائد – الأب الذي يأكل أبناءه؟! وهو في ذلك يعتمد سياسة استهلاك الناشطين جيلا بعد جيل، ثم يخلعهم ويرميهم، ليأتي بغيرهم من المطيعين والمطواعين، ما دام زمن حاجة الحركة العونية الى مناضلين قد ولى وانطوى، وهي اليوم في حاجة الى متمولين وممولين، لاقامة اقطاعية سياسية عائلية يرثها عنه صهره وحاشيته من المقربين.
شتان ما بين قائد – أب يخلع أبناءه ويأكلهم جيلاً بعد جيل، وبين السيد حسن نصرالله الذي يقول لأبناء حزبه: أقبّل أياديكم وجباهكم.
تنطوي شخصية العماد ميشال عون على غضب، بل على سخط كامن وعميق الغور، قد يكون مصدر ذلك شكوكه وريبته المستفحلة والمستطيرة. فهو لا ثقة له بالناس والمجتمع الذي يعتبره فاسدًاً وموبوءًاً ويرى في نفسه هاديًاً ومخلّصًاً. لكن نظرته هذه الى نفسه يلازمها شعوره المرير بأنه ضحية. مركّب "جنون العظمة" هذا، هو ما يصيب غالبًاً العصاميين الذين يبنون أنفسهم بأنفسهم، ويعيشون حياتهم بوصفهم ابطالا ملحميين.
فالرجل الذي أراد تخليص لبنان من مأساته سنة 1989 معتبرًا أنّ الطبقة السياسية كلها فاسدة، سرعان ما انهار حلمه، ليعتبر أنه مثل لبنان، ضحية الجميع الذين تركوه ولم يسيروا معه في حلمه الخلاصي الذي لو ماشوه فيه لما وصلنا الى ما وصلنا اليه. وهو لديه يقين بأنه الوحيد الذي أدرك ان لا خلاص للبنان الا بتحريره من الاحتلال السوري، والوحيد الذي ناضل في سبيل ذلك ودفع ثمنًاً لنضاله بالإبعاد والنفي.
مَن هذه حاله، وهذه صورته عن نفسه وأفعاله، لا بدّ أن يتملكه شعور عارم بأنه فوق الجميع وأكبر من الجميع. أي القائد الملهم، وسواه لا شيء ولا أحد! وقد يكون هذا ما حوّله من قائد وطني إلى حاقد سياسي على الجميع.
هذه الطاقات والمشاعر المتدافعة جعلته أخيرًاً، ربما منذ دخوله قصر بعبدا سنة 1988، صاحب طموح جامح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. لكن هذا الطموح العاري من أي مشروع سياسي، لا يتكشّف عن غير نزوة شخصية لا يخمد اوارها، ويهون كل شيء في سبيل تحقيقها. فمنذ عودته من المنفى لم يضع نصب عينيه وقلبه وجوارحه سوى القصر الرئاسي الذي أُخرج منه وأُقصي عنه مرغمًاً، ليعيش تلك السنوات الطويلة على رغبة العودة إليه نكايةً بالجميع وانتقامًاً من الجميع.
وهو في هذا كله يخلط بين ما تعرض له وما أصاب المسيحيين من تهميش وإقصاء، مختصرًاً مصيرهم بمصيره، فيرى أنه وحده يمثّل مرجعيتهم وأبوّتهم السياسية وقائدهم الملهم في وجه طغيان زعامة وليد جنبلاط وزعامة الحريري الأب والإبن من بعده.
المسيحيون بدورهم وفي وجه عام، وجدوا في العماد ميشال عون زعيمًاً وقائدًاً وأبًاً، بعدما عتبوا طويلا على المسلمين، وخصوصًا السنّة الذين استعملوا قوة منظمة التحرير الفلسطينية ضد النظام اللبناني وضد المسيحيين، ولم يُحرّكوا ساكنًاً في وجه الاحتلال السوري.
أما بعد جلاء الجيش السوري عن لبنان، فقد رأى العماد عون أنّ الشيعة الذين فقدوا حليفهم السوري، صاروا مثل المسيحيين بلا حليف. وهذا ما حمله على التفاهم والتحالف مع "حزب الله". وهو كان في وقت سابق قد اتّخذ قرارًا استراتيجيًا بالتحالف مع الأقلية الشيعية ضد الأكثرية السنية على مستوى الشرق الأوسط كله.
شهادات للتاريخ - الجزء الرابع
فيما يلي شهادة المسؤول العلاقات السياسية في "التيار" جبران باسيل الذي التقته "النهار" في دارته في الرابية وسجلت شهادته. لكن الاستاذ باسيل اتصل في اللحظة الأخيرة راغبًا في عدم نشر شهادته بعد كتابتها وتنفيذها على صفحات الجريدة، وذلك اعتراضًا منه على الشهادة السابقة المنشورة في هذه الزاوية الأحد الماضي.
باسيل: "التيار" يقاوم اضطهاد السلطة والمخطط الدولي ضد لبنان والمسيحيين بعدما لبنَنَ "حزب الله"
كان بديهيًا أن تختلف طبيعة عملنا في "التيار الوطني الحر" ما بعد العام 2005 عما قبله. فعلى رغم صعوبة الايام التي عشناها وتعرضنا فيها لاضطهاد مشدد طوال 15 سنة، فإن لتلك الايام الصعبة واضطهادها نكهة نشعر بطعمها ونتحسسه في ما نحن عليه اليوم. انا يتملكني حنين الى ايام النضال تلك. النضال الذي يصفّي الانسان ويجعله اكثر تجرداً وتعالياً، وصراحة في فكره وتفكيره وسلوكه وابداء رأيه.
اما بعد 2005، فقد دخلنا معترك العمل السياسي الذي، وإن كان ينطوي في جزء كبير منه على المقاومة والنضال والممانعة السياسية، فإنه يتمتع بظروف امنية مريحة اين منها تلك الايام. فقد صار عندنا نواب في البرلمان، وإمكان دخولنا الى السلطة صار متاحا، ولم يعد مقفلاً في وجهنا. وهذا ما يستدعي بالضرورة انخراطنا في دائرة تعاطي السياسة التي تستوجب مراعاة بعض المفاهيم اللبنانية التي ندعو الى تغييرها، فنروح نجامل في جزء منها.
الاضطهاد المالي والاعلامي والسياسي والأمني الذي نتعرض له اليوم من دول كثيرة، أسهل وأخف وطأة علينا من ذاك الذي كنا في الأمس نتعرض له من سوريا. فبعد إزاحتنا بعملية عسكرية سنة 1990، ظل مشروعنا قائما كفكرة تنقصها الوسائل والادوات لتنفيذها، ما دمنا رفضنا العمل العسكري والعمل السياسي عبر مقاطعة الانتخابات.
اما اليوم فاكتسب مشروعنا أدوات سياسية متعددة تمكّننا من مجابهة المخطط الدولي الذي يحضّر للبنان ويدفع ثمنه المسيحيون. لذا يتركز علينا الاضطهاد الدولي اليوم، لكنه اخف بكثير مما تعرضنا له في الماضي، حين كان الاضطهاد يطاول حياتنا وأجسامنا ورأينا، وكان علينا مواجهته وحدنا من دون أي سند داخلي ولا خارجي. فحتى البيئة التي ننتمي اليها وتحتضننا عاطفياً، لم تكن قادرة على احتضاننا سياسيا وماديا. اما اليوم فاننا لسنا وحدنا، كشبان وكفريق سياسي، بل لدينا حليف سياسي داخلي اساسي، ونحظى بتفهم بعض الدول، وبرغبة في مساعدتنا. وهذا ما يجعلنا الاقوى في المعادلة السياسية وفي ميزان القوى الشعبي، بعدما كنا في الماضي الاقوى في الحق، من دون ان تكون لدينا الوسائل التي تمكننا من احقاق هذا الحق عبر ميزان القوى الذي لم يكن لصالحنا. في تلك الأيام كنا محاصرين وممنوعين من الظهور الاعلامي، فلا نستطيع التعبير عن انفسنا الا في السر والخفاء بالمناشير والكتابة على الحيطان وإطلاق زمامير السيارات، قبل ان ننتقل في مرحلة لاحقة الى الاطلالة في التظاهرات المفاجئة والمتنقلة، ثم العلنية. لكن حركتنا السياسية ظلت مطاردة وملاحقة وخفية او تحت الارض. اليوم انتقلنا الى التعبير الاعلامي الصريح، بالمنشورات والتظاهر واللقاءات العلنية، وصار عندنا فريقا سياسياً كاملاً، ونعيش حالة من النضال السياسي فوق الارض.
الجماعة السياسية التي كانت تمارس علينا الاضطهاد في الامس، مستمرة هي نفسها في اضطهادنا اليوم. فالفريق السياسي الذي يشكل جنبلاط والحريري ركيزته الاساسية ما بعد 2005، وكان الركيزة الداخلية في اضطهادنا في الامس، مع بعض الادوات المسيحية، لا يزال على حاله في موقفه منا. اما "حزب الله" فلم يكن يتحرك ضدنا في تلك الأيام، ولم يكن ممثلا في الحكومة، بل كان يشكل غطاءً شيعياً صامتا وموافقا على اضطهادنا، كي يغطي مقاومته اسرائيل في الجنوب. وهذا لا يبرئه ولا يعفيه مما جرى آنذاك. وحتى في حال خجله من نفسه اليوم على سكوته في الامس، فان هذا لن يجلب له البراءة ولن اوقع الملامة عليه اقل من غيره من الأطراف، مع العلم انه لم يكن يمتلك الأجهزة الامنية التي يمتلكها غيره اليوم ويسلطها علينا قمعاً واضطهاداً.
ما يقوم به حلف جنبلاط -الحريري اليوم ضدنا، يشكل عملية اضطهاد كبرى. فالحلف هذا يضطهدنا في سمعتنا وفي أغلى ما عندنا، اي كرامتنا وتاريخنا السيادي والاستقلالي. وذلك باتهامنا بأننا سوريون وايرانيون. وهذا اضطهاد معنوي كبير لنا، نحن من نتمتع بنظافة مالية عالية لا يرقى اليها الشك، ويريدون تدفيعنا ثمنها في اطلاقهم الشائعات عن فسادنا المالي. ثم انهم يضاعفون اضطهادهم هذا بتسليط الاجهزة الامنية الرسمية علينا. وهي أجهزة، نحن كمواطنين، ندفع كلفتها من اموالنا. فهم يرفضون تقديم الحماية الامنية لنا. انا شخصيا ليس عندي حماية امنية، ورغم طلبي لها، رفضوا حمايتي، مع العلم ان من اهم اقل شأنا سياسياً مني لديهم عشرات المرافقين الأمنيين الرسميين. فأحد ابناء المسولين في "تيار المستقبل"، يتمتع بحماية رسمية من دون ان تكون لديه صفة رسمية. وهناك شخص اعلامي لا ادري ما هي اهميته، لديه 17 مرافقاً رسمياً، بينما انا الشخصية السياسية ليس عندي اي مرافق. فالأمن حين يوزّع على نحو استنسابي وغير متساو بين الناس، يصير اضطهاداً.
القضاء بدوره يستعملونه في تهديدنا، كما في الأمس. انهم يستبيحون حرمات الناس ويجوعونهم. وهذا عين الاضطهاد الذي تمارسه حكومة رسمية تتبع سياسة تهدف الى ايقاع الافلاس المالي في البلاد، وتجويع الناس. اليس مقصوداً ان لا يدفعوا الاموال للقطاعين الصناعي والزراعي؟! انهم حين يخلقون حالا من العوز عند الناس جميعأ، يقومون باضطهاد البلد كله، فيما هم يوزعون المساعدات المالية استنسابياً، وعلى اساس الولاء السياسي. هذا اضطهاد يتجلى في المازوت والبطاقة الصحية والاموال الخاصة. يقولون لك لن نعطيك لأنك تنتمي الى التيار الفلاني، واذا اردت ان نعطيك عليك ان تنتقل الى فريقنا السياسي. اليس هذا اضطهاداً للناس في حقوقها؟
نحن نسعى الى بناء دولة يستاوى الناس فيها في الحصول على الحقوق والوظائف، وليس الى دولة تتنصّت علينا، وتراقبنا اجهزتها الامنية. دولة من هذا النوع لن تكون الدولة الراعية للناس، بل دولة التنسط والاستخبار، والتي تضع جهدها في الملاحقة الامنية. ومن هذه الناحية لا يزال الامر على حاله في تعامل الدولة معنا. فهي تمنع الحماية الأمنية عني وتوظيف مخبرين عليّ، فهل انا اشكل طراً على امن الدولة؟! وبصرف النظر عن ان الاعتداءات تأتي من الخارج، فان الدولة تتبع سياسة امنية مجزأة ولا تساوي بين الناس، بدل ان تمنح الأمن للجميع. فهي تحمي فريقا سياسيا وتغطيه وتكشف فريقاً آخر وتلاحقه.
السياسة نفسها يتبعونها على صعيد القضاء المسيّس والاستنسابي من قمته حتى قاعدته. طبعا هنالك قضاة مستقيمون، لكن هناك ايضا استعمال للقضاء للضغط على بعض الناس معنوياً ومادياً، وهذا ارهاب وترهيب فكريان. والحملات الاعلامية التي كنا نتعرض لها قبل الانسحاب السوري، لا نزال نتعرض لها اليوم، وهي تتخذ طابع التشويه لصورتنا المعنوية.
فمنذ سنتين تقدمت بدعوى قضائية ضد كاتب في صحيفة "المستقبل" يدعى نصير الاسعد الذي كتب عني اكاذيب لا يمكن احتمالها، فقال انني ذهبت الى سوريا في سيارة داكنة اللون، بغية تشويه سمعتي. لكنني حتى الساعة لم استطع احضار الاسعد الى المحكمة، او الحصول على حكم قضائي ضده. حتى انهم لم يمنعوه من الكتابة، فعاد قبل 3 أشهر الى التشهير بي، لأن ليس من قضاء يحاسبه. ومجلة "الشراع" بدورها كتبت أخباراً عن أموال وصفقات وأجهزة مخابرات ولقاءات لي بآصف شوكت، فتقدمت بدعوى قضائية ضدها، لكنني منذ سنتين لم أنل حكما في الدعوى. هل هذه دولة حامية؟ هل هذا قضاءً حامياً؟!
هكذا تصبح مكشوفاً أمنياً وقضائياً و إعلامياً، فيما الحكومة تحاربك بتجويع الناس عبر مراكمتها 45 ملياراً من الدولارات ديناً على اللبنانيين، نتيجة سياستها المقصودة.
"التيار" طيّب القلب ولديه عاطفة كبيرة، مثل الجنرال ميشال عون. لذا جرفتنا العاطفة وطيبة القلب في لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فنسينا كل ما كان قد فعله وانزله بنا، واعتبرنا حادثة اغتياله لحظة للاجماع الوطني علينا أن نتشارك فيها لتحقيق أحلامنا الوطنية: السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية. فهل من لحظة أجمل من تحقيق السيادة والاستقلال من طريق الوحدة الوطنية؟ لقد كانت لحظة تحقيق الحلم، لكن أسوأ ما فيها أنها تبددت سريعاً.
فمقابل براءتنا في "التيار"، جرى معاملتنا بخبث، وجرى طعننا في الظهر. حتى ان لحظة الحلم لم تستمر سوى أقل من شهر بين 14 شباط و14 آذار 2005. ففي ذلك النهار نفسه منعوا اذاعة كلمة العماد ميشال عون من على منصة ساحة الشهداء، ومنعونا من الكلام عن 14 آذار 1989، أي عن اعلان حرب التحرير التي أطلقها العماد عون آنذاك ضد سوريا.
وأنكروا على أحد كوادر "التيار"، وهو نقيب الاطباء ماريو عون، أن يجمع بين لحظة الحقيقة ولحظة التحرير، فأرادوا قطع كلمته. لذا لن أنسى هجومهم عليه فيما هو يقف على المنصة يلقي كلمة "التيار" الذي يعتبر ان 14 آذار 2005 لا تنفصل عن 14 آذار 1989. وفي هذا المعنى نحن 14 آذار الاصلية، ليس من الناحية السياسية فحسب، بل من الناحية التاريخية ايضاً.
أيقظت حادثة اغتيال رفيق الحريري شعوراً وطنياً لبنانياً كان هاجعاً ومخدراً لدى الطائفة السنية، بسبب التفاهم السوري - السعودي على لبنان، وبسبب السياسة الحريرية التي خدّرت الشعب بالمال. لكن المطلوب من السنة اليوم الحفاظ على الحالة الوطنية اللبنانية، وعدم تدفيع الطوائف اللبنانية الاخرى ثمن صحوتهم هذه، عبر تهميشها في المشاركة الداخلية. فالحريرية تتبع اليوم سياسة فئوية ومذهبية في تصريف شؤون الدولة، اقتصادياً وأمنياً، وفي الوظائف العامة. وهي تحاول إعطاء لون واحد للدولة، واستبعاد مكوناتها المتعددة. وهذا لا يمارس على المسيحيين وحدهم، بل على السنة غير الحريريين ايضاً. والسياسة الفئوية هذه لن تستمر. فحين حاول المسيحيون أن يحكموا البلد وحدهم بين 1943 و1975، لم يستطيعوا، ودفّعوا البلد كله ثمن محاولتهم في زمن المارونية السياسية. والسنة يحاولون منذ 1990 حكم البلد منفردين، فدفعوا ثمن محاولتهم باغتيال الحريري سنة 2005، بعدما وسّعوا طموحهم الى خارج لبنان. واليوم يتهم البعض الشيعة برغبتهم في الاستيلاء على لبنان، رغم استبعادهم من المشاركة في الحكم. ومهما كانت حقيقة هذه التهمة، أرى أن محاولتهم لن تنجح.
لذا على الجميع أن يقتنع بالشراكة الحقيقية والفعلية، أو بالقسمة الحبية المشتركة، وليس بالانفصال. والا فإن البلد سوف يستمر في تخبطه في أزمات وجودية. أنا كتيار وطني حر أرى حل هذه المعضلة بالعلمنة، أي بالمساواة بين الناس، بصرف النظر عن اختلافاتهم المذهبية. وهناك من يرى ان الكونفدرالية هي الحل. والشراكة لا تقوم على الاعتراف بالآخر والقبول به فقط، فأنا موجود بلا اعتراف الآخر بوجودي، وبدون تحميلي جميل اعترافه بي. والجريمة الكبرى التي يرتكبها الحريري اليوم تتجلى في سياسة عدم المشاركة التي يعتمدها، لكنه هو من سيدفع في النهاية ثمن هذه الجريمة. وأنا أرى ان اغتيال رفيق الحريري سببه الخلاف بين وصايتين على لبنان، أي الوصاية السورية والسعودية، ومع الراعي الاميركي الاكبر.
هنا أرى أنه لا معنى للتساؤل عن اسباب اتباع النظام السوري سياسة الاغتيالات التي قام وعاش عليها اصلاً. فهل يمتهن النظام السوري الديموقراطية وحقوق الانسان، أم الأمن؟! والسوريون قتلوا منا أكثر مما قتلوا من غيرنا. فحتى الآن لدينا 21 عسكرياً مفقودين منذ 13 تشرين 1990، ولا نزال نعمل للكشف عن مصيرهم. لكن الثمن الكبير الذي دفعناه في معركة الاستقلال والسيادة، لا يحملنا على أن نبقي لبنان كله رهين هذه القضية.
لم تبدل عودة الجنرال ميشال عون الى لبنان من توجهات "التيار" الذي أمدته عودته ووجوده بحيوية وزخم جديدين، يمكن أن يكونا قد تمحورا حول شخص الجنرال الذي برزت حوله قيادات كثيرة، إن على صعيد نواب التكتل، وإن على صعيد النشاط السياسي والحركة السياسية الكبرى لـ"التيار" الذي دخل مرحلة جديدة كنا مستعدين ومنتبهين لها، باعتبارها أصعب من المرحلة السابقة. فبعد انجاز مرحلة التحرير، دخلنا مرحلة التحرر السياسي التي تفترض دينامكية جديدة وخطاباً سياسياً يقوم على التحرر من الاقطاع المثلث الرأس: السياسي والمالي والمذهبي.
فالحريري هو الذي أطلق ظاهرة الفساد والافساد الماليين، وعممها في البلاد، بل في مناطقها كافة، عبر إدخاله المال كعامل اساسي، ليس في شراء اصوات الناخبين، بل لشراء الناس واستقطابهم. واذا كانت هذه الظاهرة موجودة في لبنان قبل الحريري، فانه هو من عممها ومنحها طابعاً جديداً. فمن لديه مقدرة دفع 200 مليون دولار لتسيير تظاهرة، ودفع 83 مليون دولار في انتخابات الشمال، غير الحريري؟! في حين ان مبدأ العدالة يفترض تساوي الناس في قدراتها من أجل ا لظهور والبروز.
والحريرية بعد اغتيال رفيق الحريري اصبحت عمياء وقليلة الذكاء. فالحريري الابن اليوم رجل متدرن، بعدما كانت الحريرية مدجنة ايام الوصاية السورية التي كانت تحدّ من الجشع المالي للحريري الأب، ومن فجعنته أو نهمه السياسي. والحريري الابن اليوم صار بلا تدجين، وهو ينهش مؤسسات الدولة والناس ويلتهمهم. لذا فإنه يحتاج الى تدجين داخلي يحل محل التدجين السوري.
وما يقوم به الحريري اليوم هو نهج حريري، لا علاقة له بالسنة. فكما أُلصقت بالمسيحيين تهمة العمالة لاسرائيل في الماضي، لأن فريقاً سياسياً محدداً منهم تعامل مع اسرائيل، يجب عدم اتهام السنة كلاً وجميعاً بالحريرية. فالحريري وحده فاسد ومفسد للناس والمؤسسات والدولة، وهو يستفيد من حالة عاطفية وصراع مذهبي في المنطقة لاستقطاب أكثرية السنة. لذا نحن اليوم مجبرين على التعامل والتفاهم معه.
هناك حادثة سياسية اساسية غيرت أوضاع لبنان، ألا وهي أن سوريا اصبحت خارجه. وهذا ما يسمح لي بأن أرى "حزب الله" اقل سوءاً من وليد جنبلاط وسعد الحريري، ومن سمير جعجع الذي قصفني في 13 تشرين بالمدافع. "حزب الله" اقل سوءاً لأنه فتح المعابر في منطقته وسمح للجيش اللبناني بالهرب اليها في 13 تشرين 1990، فيما كانت "القوات اللبنانية" تقصف الجيش اللبناني. وبين 1990 و1993 كان سمير جعجع يلتقي بغازي كنعان وهو ذهب الى القرداحة للقيام بواجب العزاء بباسل الاسد. وبعد 1994 اختلف الامر بوقوفنا و"القوات اللبنانية" وحدنا في مواجهة الوصاية السورية.
أما بعد جلاء السوريين عن لبنان، فجاء "حزب الله" وقال لنا إنه مستعد للكلام عن رفضه الوصاية السورية، وضرورة اقامة علاقات ديبلوماسية وترسيم الحدود مع سوريا، فهل أرفض وأقول له: لا؟! واذا كان "حزب الله" سورياً في ما سبق، فإنني ألبننه، واذا كان لبنانياً فإنني أجعله أكثر لبنانية. والدليل على تلبنن "حزب الله" يتجلى في السنتين التي مرتا على توقيع ورقة تفاهمنا معه، ومن خلال علاقتنا به وتعاطينا السياسي معه، إذ اكتشفنا أنه أكثر لبنانية من الفرقاء السياسيين جميعاً. والواقعة السياسية التي تدل على لبنانيته هذه، لا تزال طازجة، لكنني لن أقولها لك الآن، واكتفي بالتركيز على مسألة الرئيس التوافقي والشروط المرفقة بها، اذ تكيّف "حزب الله" مع ما طرحناه نحن.
حتى الاتفاق الدولي الاميركي - السعودي - الايراني - الفرنسي - السوري - المصري، لم ينجحوا بفرضه على لبنان، لأننا رفضناه ووافقنا "حزب الله" في رفضه. وهذا يؤكد لبنانية هذا الحزب. فلا سوريا ولا ايران ولا فرنسا استطاعت أن تفرض عليه ما لا يريده في الداخل اللبناني. فأين، اذاً، لبنانية الحريري بالمقارنة مع لبنانية "حزب الله"؟ فالحريري لم يستطع أن يفعل شيئاً الا بإيعاز سعودي. وهو أكثر من مرة أعطى كلمة وتراجع عنها، لأن التوصية السعودية كانت تأتيه معاكسة لما وعد به.
نحن قدمنا الحل لمشكلة النزاع مع اسرائيل في وثيقة التفاهم مع "حزب الله". فقد حصرنا هذا النزاع في لبنان وفصلناه عن القضية الفلسطينية، اي لبنناه، ووضعنا اطارا لسلاح "حزب الله" ورسمنا حدوده ووظيفته وهدفه. وهذا يعني أن الحزب لم يعد مستمراً على نهج المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان ما بين 1969 و1982، اذ صار هدفه اكمال تحرير لبنان فقط.
والكلام عن ان "حزب الله" لا زال يتحدث عن تحرير القدس وفلسطين ليس صحيحاً. وعندما تحدث السيد حسن نصرالله عن الحرب المفتوحة، اوضح لاحقاً كلامه بما يتناسب مع وثيقة التفاهم، فقال انه في حديثه عن بداية سقوط اسرائيل ونهايتها، انما كان يتحدث عن سياق عام ومسألة موضوعية، من دون أن يكون اسقاطها مهمة "حزب الله".
لكن فريقاً من اللبنانيين راح يهاجم "حزب الله" بعدما حصر مهماته في لبنان وحده ولبننها. ثم لم يلبث هذا الفريق نفسه ان تواطأ مع الاجنبي ضد "حزب الله" الذي لن تستطيع مطالبته بالتزام نوع محدد من المفردات والكلمات، فيما تشن الحرب عليه. فالمشروع الذي جسّدته وثيقة التفاهم لم تستطع ان تتوصل اليه اي حكومة لبنانية، واي فريق خارجي او داخلي. لكن بدل التعاطي ايجابيا مع هذا المشروع، شُنت الحرب على "حزب الله". وليس مصادفة ان هذه الحرب بدأت بعد توقيع وثيقة التفاهم مباشرة، بدل ان يبادر احد الى القول ان هذه الوثيقة انجاز يصلح للبناء عليه.
اما حرب تموز فلا يحاول أحد اعتبارها شيئاً آخر سوى اعتداء اسرائيلي على لبنان، على ما اكد تقرير فينوغراد نفسه. لقد استعملت اسرائيل عملية "الوعد الصادق" ذريعة لشن حربها المدبّرة والمحضّرة. ومن يرى ان الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان سببها هذه العملية، يكون يبرر لاسرائيل حربها. ان اسرائيل هي التي بادرت الى الحرب. وما قام به "حزب الله" ليس سوى عمل روتيني يحصل مثله على الحدود منذ سنة 1996، من دون ان تبادر اسرائيل الى شن الحرب طوال 10 سنوات، فلماذا شنت الحرب في تموز 2006، ردا على مشكلة حدودية روتينية؟!
ثم ان السيد حسن نصرالله وقف بعد الحرب وقال انه اخطأ، ولو انه كان يعلم مسبقاً حجم الرد الاسرائيلي لما قام بتنفيذ عملية "الوعد الصادق". الا يكفي هذا، وكيف لا نقبل اعتذاره؟!
لا يختلف خروج النائب ميشال المر من تكتل "الاصلاح والتغيير" النيابي، عن خروج اي عنصر من عناصر "التيار". وهو خرج وحده ولم يأخذ احدا معه. لكنني اعتقد ان خروج النائب المر اسلم للعلاقة بيننا وبينه. واحترامنا له يبقى على حاله، من دون زيادة ولا نقصان، وكذلك قيمته. وهو خرج وحده، وتأثيره مرتبط بشخصه فقط، اي تأثير واحد على 22 نائب في التكتل. وبعد خروجه زادت قيمته بالنسبة لنا، لأنه يحب ان يكون مستقلا، ونحن نؤيد ارادته هذه، لأنها تجعل علاقتنا به اسلم. اثناء وجوده في التكتل كان الامر ينطوي على التباس. فعندما كان النائب ميشال المر يجلس الى طاولة اجتماعات "الاصلاح والتغيير" كان البعض يعتبر ان جلوسه هذا غريب، فيما كان آخرون يعتبرونه ضروريا. لكن في الاحوال كلها كان جلوسه يشكل التباسا. فحين كان يعلن بعض المواقف كان مجبراً على تبريرها، او على ملاءمتها مع مواقف "التيار" والتكتل. وكنا نحن بدورنا مضطرين الى تبرير بعض مواقفه هذه. اما الآن فلم يعد احد مضطر الى ان يبرر شيئاً لأحد. فهو حر في مواقفه، ونحن احرار في مواقفنا ايضا. اما ملابسات الخروج واسبابه، فهي لا شيء. طبعا هنالك تراكم لمواقف عبّر عنها النائب المر نفسه. فهو مع انتخاب رئيس للجمهورية من دون شروط، وبأي ثمن، نحن لسنا مع هذا الرأي. وهذا ما اوصلنا الى الافتراق.
قبل انخراطي في الحركة التي اطلقها العماد ميشال عون من قصر بعبدا الجمهوري سنة 1988، لم يكن لدي اي تجربة سياسية. عائلتنا في البترون لم تكن تميل الى التحزب السياسي الذي يتجاوز الولاءات المحلية والعائلية في المدينة الشمالية التي كان والدي يملك فيها متجرا للهدايا اضافة الى عمله في تجارة العقارات. وانا كنت ارفض الحزبيات المحلية والانقسامات العائلية وزعاماتها في البترون.
في الثانية عشرة من عمري احببت الشيخ بشير الجميل وانجذبت اليه مثل كثيرين من الناس. وهو لا يزال حتى اليوم في وجداني رمزا الى شيء ما يمثل العاطفة الشبابية، من دون اي تقويم سياسي. وحين برز العماد ميشال عون اندفعت اندفاعا شبابيا نحو حركته، فتطوعت في الجيش اللبناني، لأنها جسدت الافكار الوطنية التي اؤمن بها. لقد خاطب الجنرال النفحة الشبابية لدي حين كنت في 18 من عمري. ومضمون هذه النفحة هو الكرامة والعنفوان الوطنيان اللذان كان السوري يسعى الى النيل منهما وتدجينهما. هذا اضافة الى ان العماد عون جسد ميلا الى التحرر من الاقطاع السياسي والمالي والمذهبي، مقدما نموذجا مؤسساتيا للدولة اللبنانية عبر الجيش اللبناني، وليس عبر الميليشيات. لذا شعرت للمرة الاولى في الحرب اللبنانية، ان هنالك قضية هادفة بعدما كان الصراع عشوائيا وغير واضح، فتطوعت في احد الوية الجيش اللبناني، وليس في لواء الانصار، وارتديت اللباس العسكري وخدمت في الدوار والنعص وقصر نورا، من دون ان اعلم اهلي بتطوعي. ذلك لأنني وحيد عائلتي كلها، فأبي وعمي لم ينجبا ذكورا قط. لكنني اخيرا اخبرت والدي، اذ كان علي ان اقوم بأعمال خطرة، كتهريب صور الجنرال عون في السيارة مرورا على الحواجز السورية، ووصولا الى البترون، حيث كان اهلي يقيمون وازورنهم اثناء اجازاتي من الخدمة العسكرية.
ثم جذبتني الحالة الشعبية التي انطلقت واستجابت دعوة العماد عون في التظاهرات والاعتصامات الحاشدة في بعبدا، وحولته رمزاً ومثالاً اعلى سياسياً. وسنة 1993 التقيت الجنرال عون في فرنسا وتعرفت اليه. وبعد تخرجي من الجامعة الاميركية في بيروت، حاملاً شهادة الهندسة المدنية، انخرطت في ميدان العمل، وفي صفوف حركة "التيار" الناشئة.
لم اعد اذكر اليوم الاعتراضات التنظيمية لبعض كوادر "التيار" في سنة 2003، وليس مهماً ان اتذكرها لأروي ما حصل وما هي اسباب تلك الاعتراضات. فهي خالية من اي اثر، وليست سوى مسألة تفصيلية، بل اقل من تفصيلية، ولا اعيرها اي انتباه. فالذي قام بهذه الاعتراضات، وهو عبدالله خوري في المتن، قام بها وحده وخرج وحده من "التيار". لا اذكر اليوم ما حدث، لشدة عدم اهميته، ولا أظن ان الامر يتعدى شخصا واحدا او اثنين على الأكثر.
"التيار الوطني الحر" كأي مجموعة سياسية وتيار سياسي، تنشأ فيه حركات اعتراضية معينة لأسباب مختلفة، قد تكون شخصية او جوهرية او منفعية. وهذا امر طبيعي، لكن ليس لها اي اثر او تأثير. فما من احد خرج من "التيار" منذ سنة 1990 حتى اليوم واصطحب احدا معه. فمن يخرج انما يخرج وحده، من دون ان اقلل من قيمة الاشخاص الذين خرجوا. اما عبدالله خوري فقد خرج لأسباب شخصية، وانا احترمه واقدره، لأنه ناضل وضحى معنا منذ بدايات نشوء "التيار".
بعد انتخابات سنة 2005 النيابية حصلت حالات من هذا النوع، لكن لا اهمية لها كسابقاتها. لقد خرج من "التيار" احد الاشخاص، وحاولوا استغلال خروجه اعلاميا، لكننا لا نعتبر ذلك اهتماماً ولا نسمعه او نرد عليه، لأن المسألة نفسها غير مجدية، وكذلك الرد عليها، مع العلم ان الشخص الذي خرج قد يكون ممتازا. فـ"التيار" حالة كبرى، بل اكبر بكثير من كل الذين يخرجون منه، ويغادرون هذه الحالة الكبرى، من دون ان يأخذوا احدا معهم، وخصوصا حين يكون الخروج لأسباب شخصية غير فكرية. ثم ان "التيار" يسير متسلحاً بقناعاته، وهو بعيد كل البعد عن ان يكون تيار مال او تيار سلطة، او تيار مجموعة معينة من الناس. وهو تيار غير مستورد من الخارج وغير مدعوم من دول وسياسات خارجية. ومبررات وجوده كلها هي القناعة والفكر السياسي. والذين حاولوا الخروج اسبابهم كلها شخصية وبريئة مثل عبدالله خوري، واحيانا تكون غير بريئة مثل الاسباب التي خرج من اجلها الياس الزغبي. لكن في الحالات كلها لم يستطع احد ان يخرج ويأخذ معه شيئاً وهذا يحملني على القول ان "التيار" يتمتع بحالة صحية وفكرية ونضالية جيدة.
قبل 3 او 4 اشهر حصلت اعتراضات تنظيمية في "التيار". وهي ليست جديدة. كل شخص في "التيار" لديه اعتراضات. انا عندي اعتراضات، بل انني على رأس المعترضين. ذلك لأننا تيار كبير تعرض الى هجوم قاس فلم تتح له فرص التحول الى مؤسسة منظمة. هذا لا يعني ان ليس هنالك من مسؤوليات في داخل "التيار".
والبعض يرى ان على "التيار" ان يبقى تيارا، فلا يتحول الى حزب في المعنى الضيق. لذا اوجدنا صيغة تنظيمية تميز بين الملتزم والمؤيد. انا مع ايجاد مؤسسة ذكية تستطيع تنظيم الحركة السياسية الداخلية لـ"التيار" وتحافظ عليه. وانا مع الخلط بين فكرة المؤسسة السياسية التنظيمية، وابقاء "التيار" شعبيا ومفتوحا لكل الناس.
فكرة الملتزم والمؤيد، انا الذي ساهمت بايجادها، وهي ابتكار جيد. فمنذ سنتين شعرت بالنفور والضيق حيال عبارة "حزب التيار الوطني الحر"، وأفضل ان يبقى الاسم على حاله "التيار الوطني الحر"، من دون اضافة كلمة حزب اليه. اللبنانيون غير مهيئين للدخول في احزاب، وبناء احزاب. ونحن في طبيعتنا لا نستطيع ان نكون حزبا مغلقا. هذا يكلفنا اعباء كبرى. نعم انا ضد بناء حزب، ومع ان نسعى الى انشاء نواة مؤسساتية منظمة داخل "التيار"، للحفاظ عليه وعلى الكتلة الشعبية المنفتحة والرجراجة التي تناصره وتؤيده. وهذه مهمة صعبة لم ننجح في تطبيقها بعد، وليس من المؤكد اننا سننجح في الوصول اليها مستقبلا. لكنني اؤكد اننا وضعنا نظاما داخليا مرنا هو الآن قيد التجريب والاختبار، ونحتاج الى دورتين انتخابيتين داخليتين لنكتشف صلاحية هذا النظام الداخلي. غير ان هذا الاختبار يحتاج الى استقرار سياسي واستقرار داخل "التيار" نفسه.
"لما كان الصحافي الاستاذ محمد ابي سمرا سجّل معي حديثاً صحافيا بتاريخ 29 نيسان 2008 لنشره ضمن حلقة خاصة واحدة لمناسبة الذكرى الثالثة لعودة العماد ميشال عون الى لبنان، واعطيته الحديث على هذا الاساس ففوجئت في ما بعد بأن الاستاذ ابي سمرا نشر حلقة في 3 ايار تتضمن تجريحا بالعماد عون وبالتيار نسبه الى قيادي في التيار رفض ذكر اسمه، اي ما يعرف بالمصادر المجهولة علما ان التيار الوطني الحر لا يعتمد صيغة المصادر في اي من مواقفه، وذيّل الحلقة باعلان عن نشر الحديث الذي اجراه معي في العدد المقبل. اتصلت بالاستاذ ابي سمرا وطلبت منه الغاء الحديث لئلا اضفي صدقية على الحلقة السابقة او على اي حلقة اخرى، وتحسباً لتحريف قد يطول حديثي ما دام الهدف من نشر هذه السلسلة، على ما ظهر، تشويه سمعة التيار والتجريح بالعماد عون. وحيال رفض الاستاذ ابي سمرا طلبي واصراره على نشر الحديث اتوجه اليكم بهذا الكتاب لاجراء اللازم وفي مطلق الاحوال نشره في الصفحة نفسها التي وردت فيها الحلقة الاولى المذكورة اعلاه".
بــعــد 3 ســنـــوات عــلــى عـــودة الــعــمـــاد مــيــشـــال عـــون إلــى لــبــنــان (3)
أنتم أوادم يا شباب قال الجنرال، فاتركوا السياسة لي لأنها كذب وخبث وخداعحلقة ثالثة من هذا الملف، وهي تنقل شهادة من أحد أعضاء "الهيئة التأسيسية" في "التيار" الذي أخرجته منه عودة الجنرال ميشال عون الى لبنان
شهادة عضو سابق في "الهيئة التأسيسية" لـ "التيار"
كتابة محمد أبي سمرا
أنا المولود سنة 1959 في عكار، بدأت سنة 1993 اشارك غيري من ناشطي "الحركة العونية" المشتتين منذ 13 تشرين الثاني 1989، في إحياء الحركة وبعثها من جديد، بل من الصفر تقريباً. كان نشاطنا متواصلا ومحموماً: صلات واتصالات واجتماعات، شعارات على الجدران ومناشير... فيما الخوف والحصار يزيدان حميّتنا وحماستنا، كأننا نعيش الزمن مضاعفاً او نلهث خارج الزمن العادي، وفي حال من سكر الفتوة والشباب نطلق العنان لحلمنا الكبير: إزالة الاحتلال السوري وتحرير لبنان. كانت المرحلة شديدة الصعوبة، لكننا لم نكترث بالصعاب. ضباط الجيش الذين كانوا ركيزة أساسية في "الحركة العونية" قبل 13 تشرين الأول 1990، انكفأوا وتفرقوا وابتعدوا، فلم نعد نتصل بهم، ولا هم بادروا الى الاتصال.
حصاد "التيار" المر
لا الخوف كان يلجم عزيمتنا، ولا المطاردات والاعتقالات الاعتباطية والتحقيقات وعذاباتها الجسدية والمعنوية. اما التهديدات المستمرة التي كانت تلاحقنا عبر الاتصالات الهاتفية المفاجئة، فقد تعوّدنا عليها، فلم نعد نأبه لها. في البداية كنا نخاف الضباط ورجال الامن الذين يطاردوننا باتصالاتهم، فيسألوننا اين كنا امس وقبل الامس، وماذا فعلنا ولماذا ذهبنا، قبل ان يطلعونا هم على تحركاتنا ليعلمونا أننا مراقبون دائماً وملاحقون وتحت رحمتهم، علّنا نخاف ونمتنع عن نشاطنا.
حين كان أحدهم يطلب مني ان اوافيه الى لقاء على فنجان قهوة، او آتي في موعد محدد الى مركز المخابرات، كنت ألبي في البداية. وكثيرة هي مرات بقائي ساعات منقوعاً في الشمس او البرد على باب المركز، منتظراً وصول ضابط المخابرات الذي طلب مني المجيءـ، فلا يأتي أحياناً، وحين يأتي يروح يسخر مني بأسئلته. وفي الحالتين كانت غايته إشعاري بالهوان والاهانة، بعد الساعات الطويلة من ضجر الانتظار وقنوطه ومذلته، حيث أمكث، هكذا، بلا هدف ولا معنى، يتأكلني غضب كضيم، وتعب معنوي كالخواء ينهشني ويتركني مخدّراً، كأنني شيء مهمل وفائض عن الحاجة في مكان زريّ يبعث على الغثيان. لكنني شيئاً فشيئاً تجرأت على الا ألبي مثل هذه المواعيد، وصرت اقول لرجل المخابرات الذي يتصل بي هاتفياً، انني لن اوافيه، وليفعل ما يشاء، فلا يفعل شيئاً. وهذا كان يزيدنا جرأة واندفاعاً وينزع الخوف من صدورنا. أما في حملات المطاردة والاعتقالات الدورية، فكغيري من الشبان "العونيين"، ذقت نصيبي في التوقيفات الاعتباطية والمهانات. وكثيرة هي الايام التي تغيّبت فيها عن بيتي واسرتي الخائفة، هارباً من احتمال اعتقالي، لأنام ليالي في الاحراج.
اليوم، بعد 15 سنة من ذلك النشاط المحموم، والظلم الذي عرّضت له اهلي وزوجتي التي امضت اوقاتاً طويلة من الجزع، لا استطيع تفسير قدرتنا على تحمل تلك الضغوط. لكنني استطيع القول إنني حزين حزناً قاسياً على تلك السنوات الجميلة والمريرة من شبابنا الذي لم نحصد منه، نحن قدامى ناشطي "التيار الوطني الحر"، سوى المرارة والقنوط واليأس، بعيد عودة العماد ميشال عون الى لبنان المحرر من الاحتلال السوري سنة 2005.
لا اعلم ان كنت نادماً على ما فعلنا في تلك السنوات، لكنني أجزم ان للأسى مكاناً كبيراً في قلبي وعقلي، من دون ان اقوى على رمي ما آلت اليه احوال "التيار" والبلاد في وجه احد. فأنا لا احمّل العماد عون وحده مسؤولية ما حصل للعماد، لانه اقل من ان يتحملها، ولأن مجتمعنا كله، وخصوصاً المسيحي، ضالع في هذه المأساة التي أشعر احياناً انها تبعث على الملل واليأس.
العروبة والمخابرات
قاسياً وصعباً كان عملنا ونشاطنا في منطقة عكار، التي كلما عدت اليها من بيروت اشعر انني خرجت من لبنان ما ان كنت اصل الى مدينة طرابلس، واتجه شمالا. فقبضة الجيش السوري ومخابراته كانت اقوى في طرابلس وعكار مما على غيرهما من المناطق اللبنانية. والأهالي هناك كانوا اكثر إنصياعاً لسلطة الاحتلال العرفية، وربما اكثر تخاذلاً حيالها، من دون فرق بين المسلمين والمسيحيين الذين كان وجهاؤهم والنافذون منهم يتبارون في التقرب من ضباط المخابرات متزلفين في تكريمهم، فيذبحون الخراف على شرفهم جرياً على عادة بدوية وعشائرية في الكرم والتكريم وتقديم الولاء والطاعة. الذبابح هذه، غالباً ما كانت تُنحر في العراء على الطرق والشوارع تحت لافتات كُتبت عليها عبارات تبجيل المحتل وتمجيده. حتى ان رؤساء بلديات بعض القرى والبلدات المسيحية كانوا ينشدون اشعاراً زجلية في مديح ضباط مخابرات الاحتلال وجيشه، في الحفلات التي يحيونها على شرفهم في المناسبات السياسية للنظام السوري، كذكرى حرب تشرين (1973)، وذكرى "الحركة التصحيحية". وكان اولئك الضباط يسترسلون في جبروتهم وتشاوفهم ممتلئين اعتزازاً بأنفسهم، كما لم يكن ليتوافر لهم قط في بلدهم حيث كانوا يعيشون في قلة اين منها الوفرة في الديار اللبنانية.
لكن ابتزاز ضباط المخابرات والجيش السوريين وتسلطهم، كانا اشد وطأة ومضاضة على المسلمين السنّة منهما على المسيحيين، في حال إظهارهم شيئاً من التململ وقلة الرضى والولاء والطاعة حيال تسلط الضباط وابتزازهم. ربما لأن ذوي القربى الذين يمتون بنسبهم الى امة العروبة والاسلام، مطالبون اكثر من المسيحيين "الانعزاليين" بتقديم آيات الطاعة والولاء لـ"شقيقتهم الكبرى"، سوريا، التي سلموا لها بتنصيبها نفسها رائدة العروبة و"قلبها النابض". لذا كان على مزارعي عكار، ما أن يقطفوا القطفة الاولى من بساتين الفريز، أو يحلبوا الحلبة الاولى من ضروع ماشيتهم، ان يقدموا اجزاء منها عربون وفاء وولاء منهم للعروبة، اي لضابطي المخابرات السورية محمد مفلح ونبيل الحشيمي.
جنرال الشك واليقين
حتى سنة 1998 ظل نشاط "التيار العوني" يقوم على مبادرات مجموعات موزعة في المناطق والجامعات والهيئات النقابية، بأقل قدر ممكن من التنسيق والتنظيم والتواصل. وحين اتسعت دوائر هذا النشاط وبدأت تتصل وتتقاطع وتتفاعل في ما بينها بعدما تصاعدت وتائر عملها وحضورها، برزت فكرة وضع هيكلية تنظيمية ما لـ"التيار". لكن الجنرال ميشال عون المقيم في منفاه الفرنسي، كان منذ البداية ينفر من فكرة التنظيم والتأطير، ومن فكرة وضع برنامج عمل واضح ومحدد، مصراً على الإكتفاء بتواصله اليومي، الهاتفي او بالفاكس، بكل من كوادر "التيار" على انفراد، منقّلا اتصالاته هذه بينهم، ومن واحد الى آخر، من دون تنسيق، ومن دون ان يطلع هذا او ذاك على مضامين اتصالاته بهؤلاء او أولئك. كأنه في هذا اراد ان يبقي الخيوط التنظيمية والمواقف كلها مربوطة بشخصه وحده لا غير، ليوجهها حسب مشيئته وإرادته الشخصية.
أذكر أنني كثيراً ما كنت انزعج من طريقته هذه في توزيع اتصالاته بيننا على النحو المتضارب الذي يريد. لكننا جميعاً ما كنا نعير انزعاجاتنا هذه انتباهاً كبيراً في غمرة نشاطنا المتصل والمحموم. ومعظمنا كان يبرر له أفاعيله هذه باعتباره القائد الملهم والعليم بخفايا الأمور وبواطنها التي يستحيل علينا التبحر فيها، حتى اننا اقتنعنا بقوله الدائم انه لا يجوز انشاء هيكلية تنظيمية لـ"التيار" الا بعد زوال الاحتلال السوري.
حين كنا ننتبه الى انه يقرّب هذا الكادر ويستبعد ذاك في اتصالاته، وهذا ما كان يفعله منذ بدايات تجديد نشاطنا، لم نكن نعير هذا السلوك انتباهاً كبيراً ولا تستوقفنا دلالاته، حتى حين كانت اتصالاته تنصب على أقاربه بالدم ويمنحهم التأثير والسلطة على حساب غيرهم من الكوادر الفاعلين.
من اساليبه في اتصالاته وتوجيهاته، أننا حين كنا، على سبيل المثال، نتخذ قراراً في المساء بعدم تعرضنا في تظاهرة الغد لحاجز امني ما، ونطلعه على قرارنا ويوافق عليه، نُفاجأ في اثناء التظاهرة بأنه يكون قد إتصل سراً بأحدنا ليقول له ان يقتحم الحاجز الامني. غالباً ما كنا نردّ سلوكه هذا، آنذاك، إلى حسابات محددة هو الأقدر على التضلع بها، معتبرين أنها من أمور السياسة ومقتضياتها الخفية التي لا نفقه فيها نحن الغارقين في العمل اليومي على الأرض.
حين برز نشاط "التيار" في صفوف الطلبة في الجامعات، وخصوصاً في الفروع الثانية من الجامعة اللبنانية وفي جامعة القديس يوسف، وأصبح الطلبة خميرة التحرك ضد الاحتلال السوري، مال الجنرال إلى حصر اتصالاته بكوادر الطلبة الذين راح، كعادته، يقرّب منهم هذا ويستبعد ذاك، من دون المرور بنا نحن الكوادر الميدانيين في "التيار".
في غمرة تلك المرحلة أذكر أنني حضرت خلوتين لكوادر "التيار" مع العماد عون في باريس، فتكوَّن لديّ انطباع عنه بأن خلوّه الى نفسه في منفاه، أتاح له ما يكفي من الوقت للقراءة والإطلاع والتأمل والتبصر في الأمور. ذلك انه في كلامه معنا في تلك الخلوتين، كثيراً ما كان يبهرنا في استعماله حِكماً وعبارات وأمثالاً من اللاهوت والفلسفة والتاريخ وأقوال القادة التاريخيين. وهو كان يستعملها ويؤديها في نبرة حكميّة أخلاقية تأخذ بشغاف قلوبنا وجوارحنا وتؤكد لنا أنه بعيد النظر وواثق من صوابية القضية التي نناضل من أجلها. هذا من دون ان انتبه آنذاك كم كانت تلك الحِكم والامثال التي يتلوها علينا، منقطعة من سياقاتها وأوقاتها والمناسبات والاطر التي قيلت فيها، كأن الهدف الفعلي من اسماعنا إياها، لم يكن ليتجاوز تعبئتنا الاخلاقية وشحذ حماستنا وإبهارنا بكاريزما القائد العظيم الذي بكلمة منه او عبارة او شعار يستطيع ان يلهب عواطف جمهوره ومريديه وشعبه.
الآن وقت الزعران
وعاد القائد الى لبنان و"تيار"(6) ومريديه وشعبه في 7 أيار 2005. وحين تشكلت "الهيئة التأسيسية" لوضع نظام داخلي وهيكلية تنظيمية لـ"حزب التيار الوطني الحر"، كنت في عدادها الى جانب نحو 110 من قدامى الكوادر والناشطين. وسرعان ما تكشف لكثيرين في هذه الهيئة ان العماد عون لا يرغب في إنشاء تنظيم، بل في إبقاء "التيار" على حاله، اي "حالة عونية" يتصدرها القائد الملهم الذي يظل شعبه طوع إشارته وكلامه ومواقفه. لكنه استمر في إلهائنا بمناقشات واجتماعات لا تنتهي، تتشكل فيها لجان وهيئات، ثم يحلها ويُنشىء غيرها، علّنا نيأس ونترك الامور تسير على ما يرغب ويريد، او نترك له "التيار" ونذهب في حال سبيلنا. وهذا ما بدأ يحصل فعلا بعد كل اجتماع كنا نناقش فيه الكثير من انظمة احزاب اوروبية ولبنانية لكي نخلص الى نظام تأسيسي لـ"حزب التيار". لكن مناقشتنا هذه ذهبت عبثاً ومن دون جدوى. وحين أزف موعد الدعوة الى انتخابات عامة للهيئات القيادية، في 18 آب 2005، أصر على ان يحتفظ لنفسه بتعيين الهيئات القيادية كلها في "التيار". وما ان حاولنا إقناعه بانتخاب ثلثي اعضاء المكتب السياسي فقط، على ان يعيّن هو ثلثه الثالث، جُنّ جنونه وهبّ صارخاً في غضب: انتم تريدون ان تخصوني، رافعاً يده عالياً مؤدياً بها الحركة التي تمثل فعل الإخصاء.
في المناقشات المبتسرة التي حصلت في الاجتماع - الخلوة تلك، أذكر ايضاً أنه وقف قائلاً: الآن يا شباب بدنا نشتغل سياسة، وقت النضال والمقاومة خلص، بدنا ندخل الى الحياة السياسية، والسياسة كلها كذب وخداع وخبث. وحين انتبه أن كلامه هذا وقع علينا وقوع المفاجأة، والى أننا نستمع اليه واجمين مستغربين، استدرك قائلاً في محاولة لإرضائنا ومؤاساتنا: اليوم لم يعد الوقت وقتكم، أنتم شباب أوادم، وأنا صار بدي زعران.
أنا الذي كنت بين الحاضرين في تلك الخلوة في فندق "وست هاوس" لم أصدق ما سمعته، وفكرت إن كان هذا الرجل هو نفسه الذي كنت قد سمعته مع كثيرين غيري في الاوقات الاولى التي تلت عودته مباشرة الى لبنان، يقول لنا: خلص، أنا حققت طموحاتي وأحلامي كلها، وعملت رئيس جمهورية، ما بقى بدّي شي، معتبراً ان عودته بعد الذي حصل، تكفيه مجداً عن الوصول الى أي منصب، حتى ولو كان رئاسة الجمهورية؟!
جنرال الشعب العظيم
على الرغم من هذا كله بقيت ناشطاً في صفوف "التيار" حتى ما بعد انتخابات 2005 النيابية العامة في لبنان، وكنت في عداد الذين أعدّوا لوائح الراغبين في الانتساب الى "التيار" وقبول طلباتهم. فمن أصل 5-6 آلاف شخص قدموا طلبات انتساب في عكار، لم يتقدم بعد أشهر قليلة سوى 500 شخص فقط للحصول على بطاقات الانتساب الى "التيار" الذي كان قائده العائد قد قال لنا في الاجتماعات، إن زمن نخبوية النضال قد انتهى وانطوى، وحان وقت الشعبوية وجمع أعداد كبيرة من المناصرين والمؤيدين.
أنا من الذين سمّانا نخبويين، ظللت ناشطاً في "التيار" مستجيباً لاهوت القائد الشعبوي الملهم. وكغيري من أمثالي، استمررت في معركة الانتخابات النيابية الاخيرة - كحالنا في ما سبق من نشاطات "التيار" قبل عودة قائده من منفاه - أصل الليل بالنهار وأصرف من مالي الخاص، لإنجاح مرشحينا الى الانتخابات النيابية. وفيما كنت أتنقل في سيارتي القديمة نفسها على الطرق نفسها أيام النضال المحموم، متحملاً نفقات المحروقات، كنت أتذكر كيف أن الجنرال، أيام كان في باريس، رفض أن ينجدنا بقسط ضئيل من أموال "الشعب العظيم" التي أخذها معه الى باريس بعد جمعها من تبرعات أيام "قصر الشعب" في بعبدا، كي ندفع بدل ايجار مكتب "التيار" المركزي في انطلياس، لأننا كنا ندفع بدل ايجاره من أموالنا الخاصة ووقعنا مرة في ضائقة مادية، فانذرنا ملاك المكتب بإخلائه، فاضطررنا الى طلب بعض المال من الجنرال الذي قال لنا: ما معي مصاري، دبروا حالكم.
طبعاً دبرنا حالنا، آنذاك، والجنرال راح يدبر أحواله بعد عودته، فتحالف مع من تحالف من الذين أمعنوا في إهانتنا وترويعنا وكتم أنفاسنا في غيابه، فإذا ببقايا حزب البعث السوري والحزب السوري القومي الاجتماعي وأجهزة مخبريهما، هم جزء من "شعبه العظيم"، واذا بصهره مع زياد عبس وحدهما ينجزان، من وراء ظهورنا جميعاً، ورقة "التفاهم" العظيمة مع "حزب الله" وجهازه أو جيشه السري المسلح، واذا بنا نحن "الأوادم"، بحسبه - وكان الاحرى به أن يقول السذج والمخدوعون - نُطرد من الهيكل، اي دارته في الرابية التي صار يتعذر علينا دخولها الا بعد مراجعات مذلة.
لذا كان على كثيرين منا الابتعاد بكرامتنا والخروج من "التيار"، وكنت من هؤلاء الذين ابتعدوا. أما أولئك الذين استمروا، فمعظمهم يقول: الى أين أذهب؟! وماذا أفعل بكل تلك السنوات الطويلة التي أهدرتها من شبابي وعمري في "التيار"؟! والى من يمكن لي أن الجأ؟! إنني مرغم على البقاء، فقد يكون الجنرال على حق في ما يفعل، وربما يصل يوماً الى رئاسة الجمهورية، فأكون من المحظيين بعد هذا اليتم الطويل.لوثة الجنرال ومأساته بين النظام السوري والحريري
يتهيأ لي أن السنوات الـ15 التي أمضاها العماد ميشال عون منفياً في باريس، جعلته يعيش السنوات الاخيرة منها في حال من القلق والتطير، مسابقاً الزمن، أي ما تبقى من سنوات عمره، للوصول الى سدة رئاسة الجمهورية، وهي حلمه المديد الذي جرى تحطيمه حين اقصي من قصر بعبدا الرئاسي سنة 1989. وأظن أنه ما كان ليتصرف على هذا النحو من السباق، لو كان اصغر عمراً من عمره الفعلي الذي لا يترك له من طاقة على الصبر والتمهل مع أحلامه ورغباته وطموحاته المحمومة. فهو لا وقت لديه ليهدره في العمل على تأسيس حزب، وفي الاجتماعات والمناقشات مع الكوادر والناشطين وهيئاتهم. وهكذا يجد نفسه في حال من حرق المراحل والزمن، كأنه يقول في سره: أنا لا أملك سوى سنوات قليلة كي أنجز كل شيء وصولاً الى الرئاسة الاولى في لبنان، والتي لا يستحقها أحد غيري.
أنا بدوري لا أحمّله وحده مسؤولية ما حصل ويحصل. فمجتمعنا كله، بفئاته المختلفة وأفراده على وجه الاجمال، مصاب بلوثة الجنرال التي ليست سوى من لوثات المجتمع اللبناني، وخصوصاً المسيحي، وتجلت على نحو فاقع في الجنرال. فالمجتمع المسيحي، في نخبه وعامته، أصيب بعارض اجتماعي وسياسي وثقافي، قاسٍ وصعب، طوال زمن الحرب، وخصوصاً بعد انهيار أحلامه المحمومة التي كادت أن تتحقق مع انتخاب الشيخ بشير الجميّل رئيساً للجمهورية، واغتياله المروع وهو على قاب قوسين من تحقيق الحلم الذي انهار كله، لتتبعه حقبة مديدة من التمزق والتشرذم والاقتتال المدمر طوال الثمانينات من القرن الماضي. وهي الحقبة التي قام من بين انقاضها العماد ميشال عون، وأطلق صرخته الخلاصية المدوية من قصر بعبدا الرئاسي، فالتفت حولها وحوله فئات واسعة من المتذمرين توقاً الى خلاص، عبر قيام الدولة ومؤسساتها وقرارها المستقل.
لكن تلك الصرخة الخلاصية سرعان ما انطوت على نحو دموي ساحق، ودخل المجتمع المسيحي في حال من سبات وقنوط عميقين طوال 15 سنة، حاولنا فيها، نحن قدامى العونيين، تجديد الصرخة واحياءها، لئلا تموت. لكن ما فعلناه لم يولد وعياً سياسياً فعلياً، بل حميّة نضالية إرادوية وصورة موهومة عن أنفسنا ونشاطاتنا التي كنا نضخمها في مخيلاتنا، فنتصور أن توزيع منشور وكتابة شعار على جدار في الليل، وإطلاق أبواق سياراتنا على الطرق وفي الانفاق، والسير مئات في تظاهرات، تصنع ثورة شاملة وتضعنا على مقربة من تحرير لبنان من الاحتلال السوري.
في سنوات أحلامنا ونشاطنا النضالي المحموم، كان الناس من حولنا، ومنهم أهلنا، ينظرون الينا نظرتهم الى شبان حالمين ومغامرين، فيشفقون علينا، موقنين أننا نغامر بمستقبلنا ونهدر حياتنا، ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نحقق ما نصبو اليه. وهم حين كانوا يؤيدوننا ويتضامنون معنا خائفين، كانوا يعتبروننا سذجاً وساهين عما يدور حولنا، و الا لكنا إنصرفنا الى تدبير شؤون عيشنا وأعمالنا، لأن القضية التي نناضل من أجلها "لا تطعم خبزاً"
ثم إن تجربتي في هذه السنوات الطويلة وما آلت اليه أحوال البلاد وأحوالنا في نهايتها، يحملانني على القول إن النخب المسيحية أصيبت بعجز كبير عن القيام بدورها. فهي عجزت عن إنتاج فكر سياسي جديد أو متجدد، وانصرفت الى تدبير شؤون حياتها ومعيشتها ومستقبلها على نحو أناني ووصولي. فالمسيحي على وجه الاجمال والعموم، ينجح في تدبير شؤونه الشخصية العملية، من الدراسة الى تحصيل الشهادات الجامعية الى العمل، لكنه لا يمتلك ثقافة سياسية ووعياً سياسياً. كما أنه لا يتعلم من تجاربه، كأنه في مواقفه وآرائه في الشؤون العامة، متقلب تقلب الطقس، ويتلقى معظم أفكاره ومعلوماته عن شؤون مجتمعه من التلفزيون. لذا تجده يتقلب مع مواقف السياسيين اليومية، فيقول إن هذا "معه حق" وذاك "عكروت"، وذلك "قبضاي"... الى آخر ما يمكن توزيعه من صفات آنية عابرة لا تثبت على حال، ولا تبني سياقاً متماسكاً في النظر الى الامور. كأنما السياسة والمواقف ليست أكثر من غريزة يومية متقلبة تتناهبها المشاعر التلقائية والمصالح الشخصية والعصبيات والانانيات.
والمتأمل في أحوال المجتمع المسيحي في السنوات الـ15 الاخيرة، لا بد أن يتساءل لماذا انتظر المسيحيون طوال هذه السنوات قائدين، أحدهما في السجن والآخر في المنفى، كي يعيداهما الى سدة الزعامة، من دون أن يبادروا الى إنتاج زعامات جديدة في إطار تجاربهم الحية؟! ألا تحمل هذه الواقعة الكبرى على القول إن هذا المجتمع قد أصيب بشيء من العقم، كي يعيش في انتظار زعيمين أو قائدين دمرت الحروب بينهما المجتمع المسيحي؟
طبعاً علينا ألا ننسى الحروب الملبننة ودورها الكبير والاساسي في مأساة المسيحيين الطويلة التي قد تكون "المأساة العونية" من نتائجها. فتجربتي في "التيار" الذي خرجت منه، تحملني اليوم على عدم استبعاد الاحتمال الذي يعتبر ان العماد ميشال عون قد باشر اتصالات مع السوريين قبل مدة ليست قصيرة من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تمهيداً لعودته الى لبنان. وربما تعود هذه الاتصالات الى الفترة السابقة بقليل لحوادث 7 و9 آب 2001، من أجل نفخ شعبية العماد عون وتكبيرها في المجتمع المسيحي، كي يصير جاهزاً للعودة الى لبنان وسط تأييد عارم، لينصّب رئيساً للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود الدستورية.
في ظني أن القيادة الامنية والسياسية السورية كانت تعمل على خطين متوازيين: إما ايصال ميشال عون الى الرئاسة كي يستكمل السياسات السورية في لبنان في وجه ميل رفيق الحريري الى الخروج من القبضة السورية، وإما اغتيال رفيق الحريري. وأرجّح ان العماد عون يطيب له الجلوس في سدة الرئاسة الجمهورية ليكون ندّاً لرفيق الحريري ومناوئاً له، مستكملاً ما فعله الرئيس اميل لحود. وفي غمرة تسابق هذين الاحتمالين، قد تكون رجحت كفة التجديد للرئيس لحود واغتيال الحريري، ربما لأن القيادة السورية لا تأمن للعماد عون بناء على تجاربها السابقة معه، واستنتاجها بأنه شخص متقلب ليس من السهل ضبطه.
وفي ظني ايضاً ان اغتيال رفيق الحريري أزعج العماد عون، لأنه كان يحلم برئاسة الجمهورية في حضور الحريري كي يقلّم أضافره ويقوض زعامته وجهاً لوجه في رئاسة مجلس الوزراء، مستنداً الى تأييد وولاء مسيحيين كاسحين و"وصاية" سورية مستمرة على لبنان. وفي هذا السياق الاحتمالي يمكن فهم التحريض العوني المستطير ضد الحريري و"تيار المستقبل" ومعزوفة كلامه المتواصل عن الفساد. كأن كوكبة السياسيين وبقايا التركة السورية من "حزب الله" الى سليمان فرنجيه وعمر كرامي ووئام وهاب وناصر قنديل وطلال ارسلان وغيرهم من الذين حالفهم بعد عودته، من الأطهار وبناة العلمانية والمستقبل في لبنان الحر والمستقل، وكأن الحريري وإرثه وحدهما الشر كله.
وبعد الذي حدث وما آلت اليه الامور بعد اغتيال رفيق الحريري، لا بد للمتبصر في الامور أن يعيد الاعتبار الى تجربة الحريري. ففي حياته أنجر في مجتمعه على نحو تجريبي بطيء وهادئ، ما قصّر عنه أمثاله من النخب في المجتمع المسيحي، وبنى للبنان علاقات وصورة في المجتمع الدولي، كان في حاجة ماسة اليها ما بعد الحرب. أما في اغتياله وغيابه، فقد وضع خاتمة مأسوية، لكن مضيئة لهذه التجربة، فإذا باغتياله يوقظ الشعب اللبناني في معظم فئاته من الغفلة والسبات اللذين كنا، نحن شباب "التيار"، نحاول تداركهما في القيام على قبضة الاحتلال السوري.مصائر ميشال عون والعونيين في مرآة أطوار "المجتمع" و"الشعب" المسيحيين
استئنافاً لأدوار بشير الجميّل صنع الجنرال صورته في الحروب للوصول إلى الرئاسةفيما يلي حلقة أولى من رواية سياسية - حربية للظروف والعوامل المتشابكة التي أدت الى ولادة "الحركة العونية" في نهايات ثمانينات القرن الماضي، ولمساراتها ومصائرها اللاحقة التي تجتمع في ثلاثة فصول: رئاسته للحكومة العسكرية (العهد)، والمنفى، والزعيم السياسي الأهلي والبرلماني الطامح الى رئاسة الجمهورية.
في ختام تحقيق مستفيض ودقيق في وقائع "عهد" قائد الجيش اللبناني الأسبق ورئيس الحكومة العسكرية الانتقالية (22 أيلول 1988 – 13 تشرين الأول 1990)، ومقدماته وذيوله المباشرة، تخلص كارول داغر، صاحبة التحقيق ("رهانات الجنرال"، 1992، بيروت، إف إم آ للنشر، بالفرنسية والعربية) الى ان لميشال عون في أعقاب "عهده"، وغداة منفاه الفرنسي، وجهين، وجه "ضمير اللبنانيين الحي" طوال سنتين كاملتين كان في أثنائهما صورة "كرامتهم الوطنية"، مسيحيين ومسلمين، وعَلَماً ظاهرًاً على استوائهم "شعباً" مجتمعًاً ومتماسكًاً، ووجه "الانقلاب العسكري واغتصاب السلطة على الطريقة اللبنانية"، وفي ركابه الحسابات المتوهمة، والرهانات الخاسرة، والسرابات المتهافتة، والخطابة الشعبوية، والتوقعات المنتشية، والمغامرات والمقامرات، والكارثة في المحصلة الأخيرة. وبإزاء الوجهين هذين، ليست الصحافية الماهرة والمتحرية في حيرة من أمرها. فهي تزكي الوجه الأول، وتحمده، وتتمنى له التوفيق والدوام. وتقصد بتزكيتها وحمدها وأمنيتها "الشعب" اللبناني الذي تلمح قسماته المتماوجة في ثنايا الوقائع والحوادث العونية. وتدين الوجه الثاني إدانة قاسية وقاطعة، وتدعو الى البراءة والتخفف منه، ومحاسبته، هو وعوامله وأبوابه، الحساب العسير والقاسي. وإذا لم تنكر كارول داغر تكلفة الوجه الأول الباهظة، فعذر التكلفة هذه هو إفضاؤها الى تخليص اللبنانيين، على ما حسبت في 1992، من شيعهم و "أحزابهم" العصبية والأهلية، وانتسابهم الى معنى وطني جامع. وكان "قصر الشعب" ببعبدا، في أثناء الحرب على قوات الاحتلال "العربي" السوري وقتال بعض الفصائل العروبية واللبنانية وجهر الاعتراض على بعض بنود الطائف، مسرح الانتساب هذا وميدانه الرمزيين. وأما الوجه الثاني فلا عذر له ولا مسوغ. وانتهاؤه الى "الكارثة"، وإضماره الثمن نفسه في حال استئناف النهج الانقلابي، إدانة مستوفية الشروط وناجزة.
ولما كانت وقائع "العهد" العوني قريبة زمنًاً، يوم كتابة التحقيق ونشره، ولم يكن الفصل الثاني من الوقائع والحوادث هذه، وهو الفصل الفرنسي، جاوز سطوره الأولى، لم تباشر كارول داغر النظر في علاقة الوجهين واحدهما بالآخر. ولا يستقيم تناول الفصل الثالث (2005 – 2008)، في ضوء الفصلين الأولين، "العهد" (أو المملكة) والمنفى، من غير النظر في علاقة ولادة أو توليد الشعب اللبناني عن يد "القابلة" السياسية والتاريخية المفترضة، وهي ميشال عون، بتوسل عون الى غايته بوسائل الانقلاب والاغتصاب والاحتيال والشعوذة. والحق ان الوقائع والحوادث "العونية"، منذ 1992، تحمل على تناول وجوه جديدة غير الوجهين اللذين بدا، قبل عقد ونصف العقد، أنهما يلخصان على نحو واف تنازع الرجل وأفعاله ومقالاته. ففي المنفى ولد باني التيار السياسي، وراعي تماسكه، ومرشده اليومي، ومستثمر "رأس المال" السياسي والمعنوي في الحركة التي يتعهدها. وهو ولد في خضم ملابسات سياسية محلية وإقليمية، ودولية، وتغيرات عاصفة، كان لبنان من مسارحها الأولى. وخلف باني التيار ومرشده "الزعيم" السياسي الأهلي والبرلماني، المتصدر كتلة نيابية راجحة، والمنافس على منصب رئاسة الجمهورية في ظرف أزمة وطنية وكيانية عميقة، والشريك في مبادرات يومية تترتب عليها نتائج مباشرة تصيب اللبنانيين في مصالحهم وأفكارهم وأحوالهم. والرجل، في أحواله السياسية هذه كلها، ليس وحده، بديهة. وعلى خلاف الفصل الثاني، ومثال الفصل الأول، تندرج أفعاله وأقواله في سياقة عامة وعريضة، وتتردد أصداؤها في أفعال أنصاره وحلفائه وخصومه وأقوالهم. فهو، على هذا، جزء من "جسم" سياسي واجتماعي عريض، يؤدي عنه، وعن أحواله المفترضة، ويحتسب حاجاته وانفعالاته في أدائه هذا.
ويستجيب "الجسم"، المائع الحدود والمتقلب أو المتغير، سياسة الرجل وأفعاله وأقواله، على أنحاء تتفاوت وضوحًاً وعبارة. ودعا الفصل الثالث ميشال عون الى إرساء دوره أو عمله، واستثماره طوال 15 عاماً، على بنية من المعاونين والمشيرين والمنفذين والوسطاء، انعقدوا تدريجًاً على مراتب ودوائر، متفاوتة ومتنافسة ومتخاصمة على هذا القدر أو ذاك، يقوم هو منها مقام واسطة العقد وناظمه ما استطاع الى ذلك سبيلاً. والبنية البيروقراطية والتقنية هذه وجه أساس من الوقائع والحوادث "العونية" في فصلها الثالث الجاري. فتتصل الفصول الثالثة، فصل "العهد" وفصل المنفى وفصل الزعامة والإدارة، من طريق الرجل نفسه وأطواره السياسية. ولكنها لا تقتصر عليه، ولا على أطواره. فهو، وأطواره وجمهوره وبنيته البيروقراطية والتقنية، جزء من أطوار ومصائر سياسية واجتماعية لبنانية هي مناط الاهتمام في المرتبة الأولى. وأما الرجل نفسه، على الوجه "النفساني"، إذا جازت العبارة، وهو وجه تتناوله تعليقات صحافية كثيرة تتحرى انعطافات الرجل وتقلباته و "مناوراته" وحساباته ونواياه وعلاقاته بحاشيته، فهو قد يكون موضوعًاً روائيًاً ممتعًاً ولكنه ليس موضوع الملاحظات هذه.
ومن يقتفي الوقائع والحوادث "العونية"، ومنعطفاتها البارزة الأولى، لا يشك في انتسابه الى تقليد أهلي مسيحي، يرى الى المسيحيين اللبنانيين، وإلى جماعتهم، نواة لبنان الأولى، معنى ومرتبة وتاريخًاً، وحرزه الحريز. وتترتب على الصدارة هذه حقوق ثابتة، واقعية ودستورية، ترجمتها هي صلاحيات رئاسة الجمهورية في الدستور، قبل "إصلاحات" اتفاق الطائف، والأعراف التي فسّرت هذه الصلاحيات. فناطت استقامة التفسير ودوامه بعوامل "حقيقية" مثل ثقل المسيحيين الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، وعلاقات الدولة اللبنانية بالجوار الإقليمي والشطر الغربي من المجتمع الدولي. وإلى العوامل "الحقيقية" هذه، تولى من ينوب عنهم، على صفتهم، المناصب العسكرية والأمنية والتعليمية والديبلوماسية التي تضطلع بالتفسير العملي للصدارة الرئاسية. ولم يكن الترتيب هذا ثمرة قرارات وقوانين ونصوص، أو "إرادات" على قول عثماني، بل توَّج وقائع سياسية واجتماعية محدثة هي من نتائج التوسع الغربي، ثم من نتائج استواء البلدان والأمم، والممالك والمسالك، عالماً متصلاً وواحداً معاصراً. وأول الوقائع المحدثة هذه، وأثقلها في الميزان، نشأة مجتمع – وعلاقات مجتمعية ناجمة عن التجارة والصناعة والمهنة والتعليم والثراء والجمعيات الطوعية – داخل الجماعات والبلدان، ولا ينطوي الرأس الحاكم عليها، ولا يستوفي معانيها في رئاسته أو ولايته الجامعة والواحدة. وتأخر دخول المسلمين، في الدول الوطنية المتخلفة عن الولايات العثمانية، المجتمع هذا بعض الوقت. وصار الدخول هذا، والمصالح والحصص المترتبة عليه، محل منازعة أهلية لم تهدأ على رغم بلوغ "المتأخرين" ابتداء المساواة تقريباً مع "السابقين"، وعلى رغم انتفاء معوقات قسرية وسياسية بوجه المتسابقين والمتنافسين. وأدى دوام الروابط الأهلية، وغلبتها على العلاقات المجتمعية والسياسية والحقوقية، وتغذية "الدول" الجديدة الإقليمية لها، وإعمالها في أحلافها الداخلية ومنازعاتها وعداواتها، الى تجددها وانبعاثها في أدوار وحلل جديدة، "قومية" أو دينية ومذهبية نشطة. ولم يطو استقرار الصراع "العربي" – الإسرائيلي على نزاع فلسطيني – إسرائيلي بعد عقود من بدايته، صفته العربية، ولا قطع موارده الإسلامية. فأضعف الانفجار هذا ودوامه، مُسكة الدولة الوطنية ولحمتها، وسوغ استمالة جماعاتها الأهلية الى "محاور" إقليمية ودولية تتباين معالجاتها للنزاع، وسياساتها فيه.
فكانت الدولة اللبنانية – ورأسها المسيحي الظاهر، ومجتمعها المستقل بنفسه عن الرأس الحاكم وموازين القوة الأهلية، وروابطها بالعالم الغربي، وتحفظها من السياسات العربية ومساوماتها وجموحها – محل منازعات عصبية لا تهدأ، تتشابك فيها علل الداخل الأهلية والوطنية بالعلل القومية والإقليمية و "الحروب" الدولية. وحمل هذا التقليدَ الأهلي المسيحي على اعتبار مكانة الرئاسة الأولى وصلاحياتها المسألة السياسية الأولى. فأعلى السياسيين شأناً، وأرفعهم مرتبة، هو أشدهم دفاعًاً عن مكانة الرئاسة. فكان كميل شمعون وبيار الجميل وبشير الجميل وقبلهم إميل اده "انبياء" القضية اللبنانية، على قول احد محاوري محمد ابي سمرا في الحلقة الأولى من ملف "الاحتفال" بعودة العماد السابق من منفاه الى "المملكة". ولا يعتد الاصطفاء هذا، أو التطويب، لا ببشارة الخوري ولا بفؤاد شهاب، على رغم تحصيل الأول الاستقلال، وإخراج الثاني لبنان من "عثرة" 1985. وتتصل "النبوة" نفسها، أو البطولة، بـ "البطل" المؤسس فخر الدين المعني الثاني، بحسب المحاور نفسه. ويصلها آخرون تارة بمار مارون، وتارة ثانية بمار يوحنا مارون، صاحب الكنيسة وجسمها ورسومها وأنظمتها، وتارة ثالثة بالبطريرك الدويهي، مدون "تاريخ الأزمنة" بالعربية، على ما ذهب إليه مطران مطرانية دمشق المارونية السابق، حميد موراني. وخلطُ السياسة المدنية والتاريخية بالكنيسة والمعتقد والآباء قرينةٌ على غلبة الكيان الأهلي على الكيان السياسي. ولا يقدح في الاصطفاء هذا انقطاع ذرية إميل اده السياسية، ولا اضطرار كميل شمعون الى التشاغل بحرب ملبننة مبكرة في الهزيع الأخير من ولايته، أو ترك بيار الجميل الطموح الى الرئاسة، ووأد "حلم" ابنه الرئيس الشاب في مهده. فالتقليد الأهلي يستثني من التطويب من ارتضوا قيود "صيغة 43 (19)"، أو "لبنان الـ43"، على ما كان بشير الجميل وصحبه يقولون. ويعيب هؤلاء على الميثاق الوطني اللبناني هجنته. فالموازين "الميثاقية" تكبح فعلاً تحلل المراتب والأجسام الأهلية وانهيارها، وتَحول دون الاحتكام الى المعايير المجتمعية المحدثة، وتقيد توحيد سياسة الدولة العامة على وجه ملزم. والسبب في الحال هذه هو ان حل المراتب والأجسام الأهلية، والاحتكام الى المعايير المجتمعية، وتوحيد سياسة الدولة العامة على وجه ملزم، "يظلم" المسلمين فوق ما "يظلم" المسيحيين. فعرى المسلمين الأهلية والعصبية هي مصدر قوتهم الأولى في المنازعة على المراتب والرئاسات. وإبطال المصدر هذا، أو إضعافه وتقييده، يرجح كفة المسيحيين، وهم الأسبق الى موارد القوة الاجتماعية. ولا يضيرهم الامتثال لإلزام التوحيد السياسي والوطني، وهم رواده، وروابطهم بالأجسام الأهلية، القومية والدينية، ليست بذات شأن.
فكان "لبنان الـ43" صنو القيود على استتمام الدولة الوطنية والتوحيد السياسي الوطني، وعلى بلوغ الحريات الفردية والسياسية والاقتصادية الليبرالية مداها، ونهوض التمثيل السياسي عليها. وعلى هذا، نشأ داخل التقليد الأهلي المسيحي رافد "نقدي" أو "مراجِع" (ريفيزيونيست) عريض عزا الى "الميثاق"، وقيوده وموازناته الأهلية، وإلى طاقمه التقليدي، تآكل كلا القوة المسيحية وقوة الدولة ومناعتها معاً في آن. وإذا كان مرجع الرافد "النقدي" هذا هو منشئ الكتلة الوطنية، والرئيس الانتدابي الذي أقر معيار 6 و6 مكرر في اقتسام الإدارة والمناصب، وخصم التيار الدستوري الميثاقي، اميل اده، فالفرق بين المرجع وبين مقلديه وتلامذته عريض. فهو استبق التعدد اللبناني، وأنكره، وتوقع له الأزمات القاسية، واقترح علاجاً لبناناً صغيراً ومتجانساً يغلب فيه المسيحيون غلبة لا مساومة عليها، ولا يعوق إنجازهم الدولة والمجتمع اللذين يتوقون إليهما معوق. وأما هم فألفوا أنفسهم في لبنان المولود من "الميثاق". وحسبوا ان تسلمهم السلطة، وإمساكهم بالصلاحيات التامة التي يخولهم إياها حرف الدستور، ويوكلها إليهم قبل حرف الدستور مفهوم الدولة الخالص، والمجرد من المساومات "اللبنانية"، في مستطاعها إطاحة "لبنان الـ43"، وبناء دولة عصرية وحديثة. وحسبوا ان دولة مثل هذه، والمجتمع الحر والمزدهر الذي تضمنه وتكفله، حريّان باستمالة نخب المسلمين ولو بعد حين، وبتقوية عرى حلف بين هذه النخب وبينهم هم يناصب العداء الطاقم التقليدي والبالي الذي انتظر هبوب الإعصار الفلسطيني، ولم يفعل شيئاً يصده أو يحول بينه وبين تصديع لبنان واللبنانيين. وعلى رغم اندماج المشروع التحديثي المسيحي أو "الماروني" (وهو نواته مارونية ولكن اصحابه من معظم الطوائف الأخرى) في جسم أهلي، أو "قومي" – ملي، قبل بلوغه عتبة وطنية جامعة مفترضة، لم يراع أصحاب المشروع، وهم يدعون نخب المسلمين الى محالفتهم والعمل معهم، روابط النخب هذه بجماعاتها الأهلية، وغلبة الروابط الأهلية العصبية على المنازع التحديثية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالأحرى السياسية. فالتحديث، وعوامله وعمومه، قوة ترفد الجماعة السباقة إليه، وتعزز مكانتها وريادتها. ولكنه، من وجه آخر، يوسع الهوة بينها وبين الجماعات الأخرى المتحفظة عنه، ويقوي روابط الجماعات العصبية هذه بإزاء المكانة والريادة اللتين حازتهما الجماعة السباقة. فترتد المكانة والريادة الاجتماعيتين على القيادة السياسية الوطنية ضعفًاً وإنكارًاً، وتماسكًاً عصبيًاً يبطل طموحها الوطني. ويودي التماسك العصبي، وتقدمه منازع التحديث وموجباته، باستقلال النخب عن أجسامها الأهلية، ويصدع قواسمها المشتركة، ويلحقها بسياسة الأجسام هذه، وبقياداتها المستحدثة والعامية "الثورية". وفي آخر المطاف، وهو مطافات كثيرة على عدد الجماعات الطائفية الكبيرة أو الكثيرة، يتهافت الطموح الوطني، ويقع في اسر النعرة الأهلية وقيدها.
والأرجح على الظن ان سيرة الضابط الشاب فالمكتهل ميشال عون، السياسية والاجتماعية، مرآة الترجح والاضطراب اللذين أصابا سيرة الجماعة الأهلية الأوسع في علاقتها المعقدة والمتناقضة بالجماعات اللبنانية الأخرى، وإطارها المشترك. ولا شك في ان الترجح والاضطراب بلغا ذروة من ذرى احتدامهما مع الهجمة الفلسطينية، "الفدائية" والمسلحة، غداة سنة 1967 وهزيمتها، وانبعاث وطنية الفلسطينيين في سياق جر مصر الناصرية وسوريا البعثية والمملكة الأردنية المحافظة، وجيوشها وقياداتها، أذيال الخيبة والانكسار. ففي 1969، أحجم الرئيس شارل حلو عن لجم انتشار مسلحي المنظمات الفلسطينية وناشطيها – والمسلحون والناشطون هؤلاء هم، في آن، مقاتلون ومحرضون سياسيون ومؤطرون وعيون وأرصاد وجباة وعابرو منظمات ودول ومنقّلو ولاء... في البلاد اللبنانية، ومواطن المسلمين خصوصاً. وتخلى عن كف توليهم اللبنانيين، افراداً ثم كتلاً، من دون دولتهم الوطنية. وعندما انفجرت، جراء الإحجام هذا، أزمة سياسية في قمة الدولة، امتنع الرئيس، ومعه معظم طاقم "الـ43"، من تبصير اللبنانيين عمومًاً، والمسلمين منهم خصوصاً، بما يستتبعه رضا شطر منهم، معظمه مسلم، باقتطاع المنظمات الفلسطينية المسلحة، السياسية والأمنية، حمى ومعقلاً لهم في لبنان، ويؤدي إليه من انقسام أهلي وسياسي لا بد ان يفضي الى تصديع الدولة وانهيارها. وذهب الشطر من اللبنانيين هذا الى ان "حصته" من "الميثاق الوطني" تقضي على الشطر الآخر بالإقرار بحقه في حضانة "الشعب" الفلسطيني و "مقاومته"، وإحصانهما بالدولة اللبنانية، وبحصانتها الدولية، من "العدوان الصهيوني". ورضخ "لبنان الـ43" للاقتطاع الفلسطيني (واللبناني والعربي)، ولإحصانه بالسيادة والحصانة الوطنيتين والدوليتين، والخاليتين من الحلقة العربية المفترضة وسيطة. وكان الرضوخ المزدوج هذا الإيذان بأزمة "الميثاق" العامة. وكان اتفاق الطائف، غداة عشرين عاماً من حروب الأهلين، جواب الأزمة هذه و "حلها". وهما، الجواب و "الحل"، ما لم ينفك الأهل المسيحيون، ورؤساؤهم، من التنديد بهما. ولم يرتضهما قادة الجماعات الأهلية الأخرى، من دروز وسنّة وشيعة، ومن وراءهم من قادة عرب على رأسهم "القيادة" السورية الأسدية وحليفتها القيادة الإيرانية (على لسان علي خامنئي في 1986)، إلا جواباً وحلاً موقتين على طريق "ديموقراطية عددية" عتيدة. فيتولى العدد، والكثرة والتضامن الآلي والانقياد لأمر "مرشد"، إذابة طائفية الجماعات القليلة، والمنقسمة على نفسها والمهزومة، في حامض "الأمة" المرصوصة البنيان.
وأذنت أزمة "الميثاق" العامة بخروج التيار "النقدي"، أو "المراجع"، عن طوق "لبنان الـ43". وكانت سنوات 1969 – 1973 (اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة ببيروت وخروج "الشعب اللبناني – الفلسطيني"، على ما لم يكن سمي بعد، متظاهراً ومنكراً على "الدولة"، أي على راسها وجيشها "المسيحيين" إحجامهما عن حماية "الشعب" الضيف وقادته و "ثورته") كانت السنوات هذه مختبر التيار هذا وتبلوره، في قيادة بشير الجميل. والسنوات عينها هذه مهدت، على قدم وساق، لانفجار الحروب اللبنانية (- الفلسطينية – العربية). وانصرف بشير الجميل – ومعه وحوله فريق قريب يبلغ العشرات من السياسيين والتقنيين وكبار الموظفين والحزبيين والضباط والأمنيين والرهبان والمقاتلين والصحافيين والجامعيين – الى شحذ أداته السياسية والعسكرية المستقلة عن الحزب اللبناني والمسيحي الكبير الذي أنشأه أبوه، "الشيخ بيار"، قبل نحو أربعين عاماً (يومها)، وتولى رئاسته "العليا" مذذاك. والأداة السياسية والعسكرية هذه، وهي توجها إنشاءُ "القوات اللبنانية" في النصف الثاني من السبعينات، مزجت الاستقلال عن حزب الكتائب اللبنانية، من وجه، والخروج فعلاً وحقيقة من صفوف الحزب نفسه وناشطيه وأنصاره وهيئاته، من وجه آخر. وعلاقةُ التيار "النقدي" المزدوجة بالمؤسسة الأم، وجمعُ الخروج على الحزب الى الخروج أو الولادة منه، قرينة على مشكلة تكوينية ومزمنة تعانيها الحركات السياسية "المتمردة" أو "الثورية". فحزب الكتائب نفسه نشأ حزباً طرفياً، شبابياً وعامياً (على خلاف مناصب العائلات و "أعيانها") ومدينياً وإصلاحياً. وناصب الطاقم السياسي المسيحي التحفظ، إن لم يناصبه العداء السافر. وتعاظم دوره السياسي والتنظيمي والانتخابي على أنقاض دور الطاقم السياسي المسيحي، في الدائرة التي رسخت قدم الحزب و "ماكينته" فيها.
ولعل علة الخلاف الأولى هي حمل النخبة المتحزبة "الميثاق" والميثاقية على الصراع والنزاع (على قول شيوعي أممي مأثور في الحلف السياسي)، وإرادتها تحصين التعاقد السياسي والوطني بقوة الكتلة المسيحية، ورعاية هذه القوة ومدها بأسباب التماسك والفعل. فلبنان، أي الدولة الوطنية المتمتعة بالسيادة على أراضيها ومواطنيها وبالاستقلال عن الدول الوطنية و "العربية" الإقليمية، إنما انتزع انتزاعاً من الجوار العثماني والإسلامي أولاً، ثم من "الداخلية" السورية والعروبية، ثانياً، وعلى مضض. وخلَّف انتزاعه، على الشاكلة هذه، في الجماعات غير المسيحية، وفي حواشي جماعات مسيحية، انعطافاً الى "الأرحام" الأهلية المشتركة والمفترضة. فلا يسع المسيحيين اللبنانيين، على هذا، إلا تعويض التحفظ العروبي الإسلامي والداخلي عن السيادة والاستقلال اللبنانيين والكيانيين من طريق تحصين حيز لبناني صرف قوامه "المجتمع المسيحي"، وبنيته الاجتماعية وسكنه وعاداته وتقاليده وهيئاته الكنسية والتعليمية، ومراقبة الدوائر المشتركة، السياسية الانتخابية والإدارية والعسكرية والتعليمية، التي يتقاسمها و "الجناح" الآخر. ويحتاج التحصين الملح هذا الى أداة سياسية قوية وفاعلة، ساهرة ومتحفظة. وتخالف طبيعة الأداة السياسية هذه، ومثالها الحزبي المركزي والقيادي، "الرخاوة" و "المساومة" اللتين زرعتهما "الميثاقية" في نفوس السياسيين المسيحيين التقليديين، من دستوريين وأعيان مناطق مختلطة وطامحين إلى مناصب رفيعة، رئاسية أو وزارية، يقتضي بلوغها مجاراة كبار الناخبين المتفرقي الأهواء والولاءات. فمن هذا الوجه، تولى حزب الكتائب اللبنانية "مراجعة" عملية ونشطة لـ "ميثاقية" مستكينة ومطمئنة، معلنة أو مضمرة، سرت في صفوف مسيحيين كثر. وكانت أداة "المراجعة" الحزب نفسه، وبنيانه وجمهوره وطريقة عمله وأفكاره وأحكامه في لبنان والمشرق والعلاقات الإقليمية وصياغته لتاريخ الجماعات في الدوائر هذه.
وتوج الأداة مفهومُ الحزب عن رتبة الرئاسة أو القيادة والزعامة. فالرئيس يتصدر مراتب الحزب وهيئاته صدارة ملتبسة. فهو القطب الأول و "المؤسس" وصاحب الدعوة وحامل لوائها، على مثال الحركات السرية والثورية الخارجة على سلطة محافظة وتقليدية، أبوية وميراثية. وعلى هذا، يبادر الرئيس القائد الى "تكوين" الهيئات، أو الى التصديق على مقترحات الهيئات والمجاميع الوسيطة. ولكن الحزب السياسي، أي الكتائب اللبنانية في هذا المعرض، ليس حركة سرية ولا ثورية خارجة. فهو يلابس المجتمع العريض، ودوائره ومراتبه وطبقاته ومنازعاته وميوله ومصالحه، ملابسة قريبة وحميمة. وتحضر المرافقُ الاجتماعية هذه دوائرَ الحزب وهيئاته حضوراً راجحاً. فالقائد، بسحنته الملهمة والرهبانية وقسماته المشدودة، سياسي منتخب وتمثيلي، ومتعقب أو "معقب معاملات" ومصالح جزئية، وصياد أصوات وحليف لوائح. فقيادته أو زعامته الكاريزمية، أو الخارجة عن الهيئات وتقاليدها ومحافظتها الأبوية والميراثية، دفاعية فوق ما هي هجومية، على خلاف "طبائعها". وعلى رغم غلبة الوجه الدفاعي على الزعامة الحزبية والجماهيرية الكتائبية، و "الميثاقية" المعلنة، أضعف المنزع الزعامي الكاريزمي، وتبييته الخروج على السنن والأعراف المشتركة المستقرة والموروثة، حظوظها في رئاسة الدولة. فشفع باستقرار الرئيس الكتائبي أمين الجميل في الرئاسة، على النحو الذي استقر عليه، تخففه من الزعامة وثوبها ومنازعها وبرنامجها. فخلف شقيقه، بشير الجميل، وهو التمثيل الخالص على الزعامة وخروجها على السنن والأعراف، بعد مقتل بشير بيد "قومية سورية". فكأن "القائد المؤسس" أورث ابنيه وجهي رئاسته الحزبية والأهلية، الوجه "الميثاقي" التقليدي والوجه الزعامي والكاريزمي. فتعاقبا على الرئاسة في وقت خاطف تعاقباً يكاد يكون رمزياً. ولكن إمضاء الابن "الميثاقي" مدة ولايته، على خلاف شقيقه الكاريزمي و "المراجِع"، لا يرجح كفة "الميثاقية" التقليدية على الكفة الأخرى، ولا يحسم تقابلهما أو تنازعهما. فلولا "إنجاز" بشير الجميل وحلقاته – من خروجه على حزب أبيه الى إنشائه "القوات" وقيادته أعمالها العسكرية ومقاومتها الحلف الفلسطيني – اللبناني – السوري، وتحالفه مع الدولة العبرية، واستمالته بعض الدوائر الأميركية والعربية المحافظة – لما قيض على الأرجح لشقيقه "الدستوري" ان يتسنم الرئاسة، ويبقى طوال ولايته فيها. وفي الأثناء، لم يبق من لبنان "الميثاقي"، ومن دولته ومجتمعه، شيء كثير. فخسرت الرئاسة، خارج العمارة الدستورية والسياسية السابقة وقبل اتفاق الطائف، دورها مفتاحاً لعمل هيئات الحكم وناظماً. وقوضت الحروب معظم أركان الاستثناء اللبناني. ومصدر الأركان هذه الأول هو نواة المجتمع وعلاقاته. وأخرجت الجماعات الأهلية من انضوائها السياسي الوطني والتعاقدي، وأضعفت الكتل الاجتماعية الوسطى والوليدة التي وصلت بين الجماعات الأهلية، وشبكت بينها، وعوّل سياسيون لبنانيون (ولا يزالون) على دورها في لحم ما تقطّع وتنابذ.
و "ولد" ميشال عون ولادته السياسية، وولد أنصاره ومحازبوه ومريدوه وجمهوره ولادتهم العامة والمشتركة، من المحن هذه، ومن ذيولها. فهو رافد من روافد بشير الجميل ولجنة دراساته الاستراتيجية التي أنشأها قائد "القوات اللبنانية" في صيف 1980، ممهداً الطريق الى تسلمه السلطة بوسائل لم يكن دارياً بعد على وجه الدقة بمسالكها. ودعا مؤسس "القوات اللبنانية" العقيد في الجيش اللبناني الى الاشتراك في اجتماعات لجنة معاونيه ومستشاريه المقربين والخلَّص بناء على بلائه في قتال مجموعة فلسطينية مسلحة على رأس سرية كان يقودها بخلدة، في 1973، إبان الاشتباكات بين المنظمات الفلسطينية وبين الجيش في أعقاب اغتيال قوة اسرائيلية القادة الفلسطينيين الثلاثة (في نيسان 1973). وفي 1975، قاتل الضابط المسلحين الفلسطينيين بصيدا وتل الزعتر. وعندما شل القتال اللبناني – الفلسطيني، والاقتتال اللبناني، الجيش، بعد ان شارف الانفراط، توجه ضابط المدفعية الى بشير الجميل من طريق وسيط وثيق الصلة بالجميل هو انطوان نجم، أحد أبز "المنظرين" الكتائبيين، وداعية الفيديرالية والتحالف مع الدولة العبرية رداً على انخراط شطر من المسلمين في الحروب الفلسطينية المحلية والإقليمية والدولية. وهو راعي تخطيط الجميل الابن لبلوغ السلطة العليا. ولم تحل مخالفةُ ميشال عون انطوان نجم الرأي في الفيديرالية بينه وبين المضي على علاقته به وبفريق بشير الجميل. وبالغ العسكري في التستر على روابطه بالفريق "الاستراتيجي" المتحلق حول المرشح المضمر الى رئاسة الجمهورية. وهو كان يعد العدة الى بلوغ قمة الهرم القيادي العسكري في غضون السنوات القليلة القادمة (وبلغ القمة هذه فعلاً في 1986)، ويعول ربما على مساندة الرئيس العتيد.
وليس هذا التعليلَ الوحيد ولا الراجح لانضمامه الى فريق الجميل الابن. فالعاملان الأولان هما وطنيته اللبنانية المسيحية وعسكريته النضالية والسياسية. ولا ينفي العاملان هذان طموح الضابط الماروني الى مصير قيادي عسكري أولاً، ومصير سياسي ووطني رئاسي من بعد. فيخلف (لم لا؟) رئيساً أخرج المنظمات الفلسطينية المقاتلة والقوات السورية "الرادعة" من "المساحة" الوطنية، وحرر الجماعات الأهلية من ارتهانها العروبي العصبي تحت لواء قيادة ثورية واحدة ودامجة. وشرط تحريره الجماعات الأهلية الأخرى من ارتهانها، تحريرُه أولاً جماعته الأقرب من قيود التقاليد والموازنات والمكانات والمساومات. وهو يحمّل أوزارَها جميعاً "الصيغة"، واستكانة السياسيين، ولا يستثني منهم والده "المؤسسي" ولا حزبه ومعظم قياداته وحلفاءه، الى دوران عقيم في حلقات مفرغة. ويشارك معظم رجال الكنيسة المارونية رجال السياسة الاستكانة والدوران في الحلقات المقفلة، على ما كان الجميل الابن يرى، وتابعه "جبرايل" (لقب ميشال عون في "لجنة" الجميل الاستشارية) على رأيه أو رؤياه. فالقيادة الثورية المرجوة قد تتوسل بالطائفة والجماعة الأهلية، وبعصبيتها، وقد تثير نعرتها، وتكتلها من هذه الطريق كتلة مرصوصة. ولكن غايتها لا تقتصر على الجماعة الأهلية، أو على تثبيت "حصتها" الحقيقية أو المفترضة. بل تتخطاها الى الدولة الواحدة والمندمجة. وفي هذا السبيل، على القيادة الثورية الخروج على المراتب المستقرة، السياسية والكنسية والاجتماعية الريعية، والعمل على هدمها وتقويضها، وشملها بتنديد واحد. وتناشد القيادة غير التقليدية "الشباب"، وتتوجه إليهم بالمخاطبة الحارة، وتدعوهم الى النهوض والسير تحت لواء "القيادة" الملهمة، وترك أهلهم وقراباتهم وأصدقائهم الى رابطة واحدة هي "القضية"، وإلى قائد واحد. ومثَّل بشير الجميل على مناشدته ودعوته بنهجه هو. فابن "شيخ" الحزب خرج على والده وعلى حزبه، وأنشأ على هامش الحزب السياسي حزباً مقاتلاً، وأعلن عزمه على مراجعة "ميثاقية" الحزب وسننه السياسية، وحذر من التحالف مع "الشيطان" (على قوله في إحدى خطبه بالأشرفية في 1974)، أي إسرائيل، قبل مبادرته الى إنفاذ تحذيره وموازنة الانخراط الفلسطيني والعربي في صف الجماعات الأهلية العروبية بانخراط عسكري وأمني إسرائيلي، وانتهاك بند جوهري من بنود "الميثاق" المضمرة.
وعلى رغم انتقال عماد الجيش الى رأس الدولة من طريق جهاز الدولة العسكري، وليس من طريق قيادة حزب سياسي وقاعدة حزبية أهلية وقوة مقاتلة خرج معظمها من القاعدة الحزبية هذه، فالقضايا والمسائل التي جبهت الزعامة العونية الطارئة تكاد تكون وتلك التي جبهت الزعامة الجميلية، من قبل، واحدة. ففي الحالين بدا الجمع بين قيادة التكتل الطائفي، وتوحيده على زعامة كاريزمية وتأسيسية تتعدى المراتب الوسيطة والهيئات المستقلة (الكنسية والإدارية والعائلية والاقتصادية)، وبين قيادة الدولة والمجتمع المركبين والمقتضيين التركيب عسيراً بل ممتنعاً. فقيادة التكتل الأهلي تحمل على سياسة تطرح معظم الترتيب "الميثاقي"، حين تستدعي رئاسة الدولة مراعاة موجبات الترتيب هذا. وكان العقيد ثم العميد فالعماد ميشال عون، في الأثناء، جلا نفسه ودوره في صورة العسكري اللبناني المقاتل على الجبهات المهددة، وأولها جبهة سوق الغرب، "قفل" الطرق والمسالك المؤدية الى بعبدا واليرزة والحازمية، وإلى خطوط بيروت الشرقية الخلفية، وجبهة إقليم الخروب الساحلية، حيث نكثت القيادة السورية السنية، على ما حسب أو قال الى "موفده" البعثي السابق فايز قزي، بوعدها، وقتلت عشرات العسكريين والمدنيين والمقاتلين المسيحيين. وعلى خلاف بشير الجميل، حملت الوظيفة الرسمية، أي الرتبة العسكرية، قائد الجيش الى رئاسة انتقالية وموقتة، ومنها الى زعامة أهلية وجماهيرية عريضة. وفي أثناء السنتين (والعشرين يوماً) اللتين قضّاهما رئيس الحكومة الانتقالية العسكرية في القصر الجمهوري "رئيساً" (أحد "رئيسين") وكيلاً، أو بالوكالة، قاد ثلاث معارك، على التقليل. 1) فسعى في انتزاع زعامة التكتل الأهلي من مقتسميها على مقادير وأنحاء متفرقة ومختلفة، وإلزام زعماء التكتل الإقرار له بالصدارة نزولاً على مبايعة الجمهور إياه. 2) وأراد التقدم على منافسيه على منصب رئاسة الجمهورية وزعامتها معاً وترجيح حظوظه، من طريق استمالة "الناخبين" في التكتلات الأهلية والطائفية الأخرى، على مثال قريب من نهجه في تأليب الجمهور المسيحي حوله، وحمل "الأعيان" و "الكبراء" على مبايعته بعد مشايعة الجمهور، أو العامة له. 3) وحاول، اخيراً، استدراج "الناخبين" الإقليميين والدوليين الى تأييده وتزكية ترشحه الى رئاسة مركبة ومعقدة تفترض، معاً، إجماعاً مسيحياً و "لبنانياً" عليه، وتفترض قدرته على التأليف بين الإجماع المزدوج هذا وبين مصالح "الناخبين" الإقليميين والدوليين المتنازعين والمتنافري المصالح.
وتبدو المعارك المعقدة والمتشابكة والمتناقضة هذه مرآة تخبط "بطلها"، وترجحه بين أدواره أو أقنعته، بحسب استعارة جمال عبدالناصر من بيرانديللو الإيطالي. والأغلب على الرأي ان "البطل" المتخبط هذا هو، بدوره، مرآة تخبط أعمق يتطاول الى "الجمهور" اللبناني وجماعاته وفئاته، جماعة جماعة وجماعات "واحدة" أو مركبة. ويتطاول التخبط الى السياسات الإقليمية والدولية الوالغة أو المتورطة في السياسة اللبنانية ومنازعاتها. وبطل المعارك هذه (المسرحي) نحت صورته، وهي رأسماله الثمين إبان المعارك نفسها ثم في منفاه وبعد عودته من المنفى وسعيه في الملك، من طريق هذه المعارك وبواسطتها، وعلى شاكلتها. فشن الحرب على القوات السورية، بينما كان يعد العدة لشن حرب على "القوات اللبنانية" وقائدها سمير جعجع ("زميله" في لجنة بشير الجميل الاستراتيجية) في أعقاب مناوشات واغتيالات بادرت "القوات" الى بعضها. وعول في حربه هذه على نتائج سياسية توخاها وأرادها، فوق تعويله على موارده العسكرية الضئيلة قياساً على موارد القوات السورية. فحسب ان حرباً مثل هذه تخرج الجيش الوطني من غيبوبته وسكينته المهينتين، وترد إليه، وإلى قائده، كرامته ووظيفته الوطنيتين، وتؤهله الى الاضطلاع بـ "الحل"، على قول أحد معاونيه المقربين و "منظر" دوره، العميد الركن فؤاد عون، فإذا تولى الجيش حرب تحرير وطنية، تقدمت مكانته مكانة "القوات اللبنانية" ورتبتها.
"القوات" تجرجر أذيال الخيبات منذ اغتيال صاحبها ومنشئها، وتعتاش من فرائضها على "المجتمع" المسيحي، وتثقل كاهله، وتنافس خزينة الدولة على عوائدها. ويصبغ تورطها في أعمال وصفقات وتجارات غير مشروعة "مجتمعها" كله بصبغة الخروج على القانون، على ما كانت حال لبنان في "العهد" الفلسطيني. وهي لا تنافس الدولة على الجباية والقوة المسلحة وحفظ الأمن والعلاقات الخارجية وحسب، بل تناصب العداء معظم القوى السياسية والأهلية الأخرى، وأولها القوة السياسية التي خرج منها رئيس الجمهورية، أمين الجميل، أي حزب الكتائب، ثم زعيم الشمال الماروني، سليمان فرنجية، الرئيس الأسبق والمرشح الجاهز الى الرئاسة. ويرهب "أمنها"، وصغار قادتها ومتوسطوهم، جماعات كثيرة من المسيحيين، حزبيين ومتعلمين ومثقفين مهنيين وموظفين وأصحاب مصالح. وإلى هذا كله، وهو كثير وثقيل، خسرت "القوات" تماسكها. وهي سوغت نشأتها بـ "توحيد البندقية المسيحية" (وكان ثمن التوحيد المرجو باهظاً، وبقيت عملية الصفرا، 1981، التي قادها بشير الجميل على "نمور الأحرار" جرحاً نازفاً). وتوالى على قيادة البندقية أعوان بشير الجميل الأقربون. وبعضهم شأن ايلي حبيقة، مد يده الى ساسة سوريا، وحلفائها و "عملائها"، وعاهدهم في "اتفاق ثلاثي" (1985) مع "أمل" والحزب الدرزي الجنبلاطي على "إصلاحات" دستورية تطيح الرئاسة اللبنانية المارونية وصلاحياتها، وعلى إجراءات انتخابية تلحق النواب المسيحيين بناخبين من طوائف أخرى... وعندما انقلب سمير جعجع على ايلي حبيقة، آوى السوريون هذا، وأعانوه على محاولة اختراق "البلد" المسيحي. واضطر الجيش، وقائده يومها ميشال عون، الى المحاماة عن "البلد"، وإخراج قوات حبيقة من مواقع دخلتها القوات الغازية. والحال هذه، أخفقت "القوات" في مهماتها المرسومة كلها، وتحولت، على خلاف مطمح قائدها الأول وشيخها، الى قوة تقليدية، تقتسم مع القوى السياسية الأخرى الريوع والعوائد، المادية والمعنوية، التي تتيحها الأحوال السائرة والثابتة. فلا تسوغ دوامها مهمة غير عادية يدعو التصدي لها الى التوسل بوسائل غير عادية وغير مشروعة، على نحو ما افترض منشئها وصاحبها.
وبدا التصدي للقوات السورية، وهي خلفت المنظمات الفلسطينية المسلحة على أراضي لبنان وأهله، استئنافاً لفعل بشير الجميل الاستثنائي حين أنشأ "القوات اللبنانية"، ثم قادها الى الفوز برئاسة الدولة في ظروف داخلية وإقليمية بالغة التعقيد. ولم يجهر قائد الجيش الاستئناف ابداً ولا أعلنه، وحرص على السكوت عنه سكوتاً مطبقاً، على ما يجدر بـ "الأبطال" وابتدائهم ما يبتدئون. فهو من غير "مرجع تقليد"، على قول الشيعة الإمامية الإثني عشرية، ولا إمام قريب وماثل يأتم به ويأخذ عنه، بل هو المرجع والإمام. واستئناف سياسة بشير الجميل (الأسطوري، في الأثناء، أي غداة 6 أعوام على اغتياله بيد "سوري" قومي – اجتماعي من الأشرفية) عَوْد على بدء "القوات" وأصولها، ونقض على انتسابها الى مؤسسها، وعلى مشروعية انتسابها هذا. وهذا يقوض أركان "الوجود" القواتي. وقاد الرجل حملته، أو حربه، غداة قرار "مجلس الوزراء" (الضباط الثلاثة) إقفال المرافئ غير القانونية، القواتية أولاً وحقيقة وغير القواتية أدبياً ورمزياً. فجمع "القوات" والمنظمات الأهلية و "الإسلامية" المسلحة والوصاية السورية عليها في باب واحد، أو "سلة واحدة" على القول العامي. ووحَّد الفساد و "الخوات" والتسلط والتسلح والاحتلال والخروج على الدولة، سلطة ومرافق، والتقسيم والتمرد، في الباب الواحد هذا. وكان القرار الحكومي بعث بعض الروح في الجباية العامة والخزينة وسعر صرف العملة الوطنية بإزاء الدولار الأميركي. فبدا شعاراً لدولة مقتدرة و "عامة"، ولسلطة تمثل على إرادة وطنية وشعبية مشتركة، وتتعالى عن "الميليشيات" الطائفية والرعاية الاحتلالية معاً. وهذا ما لم ينسه ميشال عون لاحقاً، وإلى اليوم، ولم ينسَه أنصاره ومريدوه، ولا نسيه الذين رد إليهم تسلسل الحوادث الظاهر – من مبادرة بعض القادة العرب الى إحياء المداولة العربية في المسألة اللبنانية على حدة من السياسة السورية المقفلة، الى قرار استعادة المرافئ وحظر الجباية غير المشروعة، فانتعاش العملة الوطنية، فالتلويح بالمفاوضة على عودة المهجرين واستجابة وليد جنبلاط وبعض معاونيه (أولهم أنور الفطايري الذي قتل غيلة بعد اسابيع واتهمت السفارة الفرنسية – "الإيطالية" باغتياله) التلويح هذا – رد إليهم الأمل في عودة بعض المبادرة الى اللبنانيين أنفسهم، وفي اجتماعهم على مقاومة التكتل الاحتلالي – الميليشيوي كلاً وجميعاً.
ومكّن لهذه السياسة في مشاعر جمهور عريض ومختلط (على هذا القدر أو ذاك) من اللبنانيين، المبادرةُ إليها من موقع "الدولة" الوطنية، والجيش الواحد والمختلط، ركنها المفترض. فمن يَصْلي القوات السورية ومطامعها في لبنان، الحرب ليس فريقاً أهلياً مسلحاً أرهقته الاشتباكات والعداوات المحلية، وباعدت بينه وبين الأهالي "التجاوزات" اليومية. وإنما هو جيش نظامي، لا يحتمي بالأهالي، ولا يتخذ منهم درعاً يحمي نفسه، ولا يثقل عليهم بالاقتطاعات والمصادرات المباشرة، وهو، الى هذا، على رغم اقتصار حكومته على ماروني وكاثوليكي وأرثوذكسي، ليس "طائفياً" خالصاً. فشطر غير قليل من الجنود وصف الضباط وصغارهم مسلم سني من أرياف طرابلس، ويقاتل في "السوريين" من قنصوه، هو أو أحد "إخوته" و "أبناء عمه"، من جبل بعل محسن بطرابلس، أو قصفوه في 1983 و1985 و1987، ودخلوا دياره عنوة، وجبوه وأهانوه هو المسلم السني السلفي أو المعتدل أو البعثي العراقي، أو أحد "شباب" روابط الأحياء، أو ابن العائلة. وما شكا منه الأهالي بطرابلس وأريافها، كانت شكاية الدروز أو الشيعة أو السنة، عدا المسيحيين، منه ببيروت أفدح وأمرّ. فبعد جلائها عن بيروت والجبل القريب، في 1982، عادت القوات السورية، تدريجاً الى الجبل بجوار بيروت، ثم الى بيروت نفسها. ولابست عودتها، وفي ركابها "أنصار" فلسطينيون، أعمال قتل وتهجير و "حروب" حلفاء وأخوة سلاح، واغتيالات، على مثال جار ومعروف. ومهدت انتفاضة الجبل الدرزي، ثم انتفاضة شباط 1984 ببيروت، وحروب الإقليم (1985) الطريق لها. ولم تخل العودة السورية من جديد "جهادي" إيراني. فكان تفجير تشرين الثاني 1983 الانتحاري، في مقري القيادتين الأميركية والفرنسية للقوات المتعددة الجنسية، الإيذان به. وتبعته أعمال (1985- 1990)، توجته بهالة من الإرهاب والانتهاك وَصَمَت بيروت، واللبنانيين والشيعة منهم، بوصمة لم تمحَ. ورعت السياسة السورية هذا كله. وأدرجته في باب "مقاومة" الاحتلال الإسرائيلي، وضبطته ضبطاً دامياً في ثكنة فتح الله (1987) والضاحية الشيعية. ونظرت بعين الرضا الى اقتتال شيعي داخلي طاف بمنازل الشيعة بالغازية والنبطية، قبل ان يحط رحاله الثقيلة بالضواحي الشيعية جنوب بيروت، ويدمر ويقتل المئات، ويرسي غلبة الحزب الخميني المسلح على "أمل" (1986 – 1988). واتصل القتال الأهلي الشيعي بقتال شيعي ("املي") – فلسطيني (1985 – 1989) تجول، بدوره، بين بيروت وبين المخيمات الفلسطينية بالجنوب، بصيدا والرشيدية بضاحية صور، وشتت قوة "أمل" العسكرية، واستنزفها، وأضعف دالة "فتح" وياسر عرفات على أنصاره.
فلم يكد عام 1987 يبلغ تمامه، ويهل عام 1988، حتى كان العلم (العربي) السوري يخفق على الأنقاض والحرائق والقتلى ببلاد اللبنانيين، بين طرابلس شمالاً وصور جنوباً، وبينهما كسروان والمتنين وزحلة وعاليه والشحار وجبال الشوف وساحله وشرق صيدا، من الهلالية الى مغدوشة فجزين، ومن إقليم التفاح الى صور وجوارها. واستعرت الحرب على القوات الإسرائيلية المحتلة، في معظم بلدات جنوب لبنان والبقاع الغربي، ولم تنقطع طوال العقد التالي، ولا بعض العقد الذي يليه، عقدنا. فصوّر إعلانُ الحرب على الحروب هذه كلها، وهي لم تكن "صغيرة" إلا في حسبان خطباء الحرب "القومية" الواحدة والممتنعة، صور لميشال عون انه يجمع تحت لوائه، ولواء حربه، ضحايا الحروب الفرعية الكثيرة، وهم معظم اللبنانيين، ويوحدهم وراء جيشهم، وعماده، على القوات والسياسة السورية، أولاً، وعلى الميليشيات الأهلية المسلحة، وفي مقدمها الميليشيا المسيحية المنافسة، ثانياً. ولم يكن التعويل على المساندة والمساعدة العربيتين، العراقيتين والخليجيتين في المرتبة الأولى، والفلسطينيتين (الفتحاويتين)، تخميناً. فما سمعه رئيس الحكومة الانتقالية بتونس، من اللجنة السداسية في رئاسة وزير الخارجية الكويتي، ومن ياسر عرفات نفسه، وما أسمعه هو اللجنة السداسية (أي "برنامجه": العلمنة، إنشاء محكمة عليا لمحاكمة الرؤساء، بسط سلطة الدولة على "بيروت الكبرى"...)، وما يعرفه من السياسة العراقية وبلّغه طارق عزيز موفده (أبو جمرا) الى بغداد، حمله على الظن ان قتال القوات السورية هو مفتاح بلورة جبهة وحلف شعبيين ووطنيين في الداخل، وإقليميين، لا تنكرهما الدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية.
ولا يزال الرسم السياسي المختصر والبسيط هذا علماً "تاريخياً" وأسطورياً جامعاً يرفعه الرجل، وأنصاره ومريدوه، على حركتهم، ويلمون بواسطته شتات حوادثهم ومنازعهم وغاياتهم المتضاربة، ويسترون به ضعف خطتهم السياسية وافتقارها المفجع الى استراتيجية متماسكة تلم بأبرز أحوال اللبنانيين، وبمشكلات تعاقدهم وتجديده. فالحسابات والتقديرات والاحتمالات التي نجم عنها قصف القوات السورية وأفضت إليه، واختصرت الفقرات التي مرت ملابساتها العريضة، جزئية في أحسن الأحوال، ومتناقضة أو متدافعة في اسوئها. فقد تستميل الحرب على القوات السورية المحتلة، والعائثة فساداً ودماراً وضغائن في اللبنانيين وأرضهم، جماعات لبنانية، ومصالح عربية، كثيرة. وبدا، بعض الوقت (بين آذار 1989 وأيار – تموز من السنة نفسها)، أن تبادل القوات السورية والجيش اللبناني، المرابط بجوار بيروت ومنحدرات عاليه والمتن الجنوبي، القصف المدفعي، وتعمد القوات السورية، على خلاف معظم قصف الجيش اللبناني، قصف أحياء السكن ببيروت الغربية والمرافق والتجهيزات المدنية بشرق بيروت، لقيا صدى "طيباً" في صفوف المسلمين، وألّبا بعضهم على القتل والتدمير "الاستعماريين" "العربيين".
وارتسمت، على شاكلة ظلال طيفية، ملامح وطنية لبنانية مشتركة بإزاء عدوان وتسلط عربيين و "شقيقين". وتخللت الحوادث الحربية والعسكرية هذه اغتيالات تطاولت الى بعض وجوه السنة اللبنانيين. فأردت مفتي الديار اللبنانية الشيخ حسن خالد، ثم نائب البقاع الغربي، ناظم القادري، الى اغتيالات أخرى سبقت أو لحقت الاغتيالين البارزين. وأثبتت الاغتيالات هذه، وهي وقعت كلها بغرب بيروت بين عائشة بكار شرقاً وساقية الجنزير غرباً على بعد مئات الأمتار، ضيق الاستخبارات والسياسة السورية، غداة 6 الى 7 أعوام على "حوادث" حلب وحماه وحمص وأطراف جبل العلويين الدامية (1980- 1982)، بميل السنة اللبنانيين الى "قائد" لبناني مسيحي وماروني، وبرم السياسة هذه وبدوام أثر المواقف الفلسطينية والعراقية المناوئة وأصدائها في صفوفهم. وتستشعر السياسة السورية الأسدية ميول الجماعات المذهبية والطائفية داخل "البلاد" السورية نفسها، وبجوارها القريب، واللبناني على وجه الخصوص، استشعاراً حاداً وغريزياً، صادراً عن سياسات استيلائية و "استعمارية" من نمط سلطاني أميري أو مملوكي عثماني (ولعل هذا بعض تعليل تقريب حافظ الأسد "مثقفاً" لبنانياً مسيحياً يستشهده فقرات من ماكيافيلي في نهج الأمير المتغلب بالسلاح والحيلة على بلد ذاق أهله طعم الحرية، أو استشهده سطوراً من ابن خلدون في "عصبية الاستيلاء"، على ما روى كريم بقرادوني وروجيه عزام).
ولكن ثمرة السياسة الحربية والوطنية هذه تتضاءل بإزاء مترتبات وذيول لم تلبث ان أسفرت عنها، واعتورت الثمرة الوطنية ونهشتها. فحُملت المساندة السنية اللبنانية والفلسطينية والعراقية والخليجية، ولما تضع "حروب" المخيمات الشيعية (والسورية) – الفلسطينية أوزارها بعد، على انحياز الى جماعة مذهبية وطنية على أخرى. وعلى رغم محاولة السياسة الإيرانية، من طريق "حزب الله"، لجم "حروب" المخيمات هذه، والانتصار للفلسطينيين من غير مجابهة سياسة السوريين أو قتال أنصار "أمل"، بعثت فصول الحرب الطويلة والمتعرجة عصبية شيعية "وطنية"، أو بلدية، اغتذت من القيام على المسلحين الفلسطينيين، والثأر من تسلطهم السابق. وتبنى بعض وجوه العلماء الشيعة (أبرزهم رجل "الغارات" الفقهية السريعة والخفيفة على المواقع اللبنانية) قادة تيارات سنية متشددة، مثل سعيد شعبان على رأس "حركة التوحيد" الطرابلسية، وهو استمالته "الدعوة" الإيرانية الخمينية بعد هزيمته العسكرية. وعارضوا تيار السنّة المنعطفين الى الجيش اللبناني، وربما الى الفلسطينيين والعراقيين والخليجيين (الخارجين لتوهم من الحرب العراقية – الإيرانية الضروس)، بالقادة "المتشيعين"، أو الموالين لسوريا. وأثارت مضمرات حرب الحكومة العسكرية (على القوات السورية)، في "البلد" المسيحي، وجماعاته ودوائره، انقسامات تفوق حدتها ربما انقسامات "البلاد" الإسلامية. فحلفاء ميشال عون العرب والجدد هم انصاره، من غير شك، على السياسة الأسدية في لبنان وغير لبنان. ولكن حلفهم و "القوات اللبنانية"، وتسليحهم وتمويلهم إياها، سبقت حلفهم ورئيس الحكومة الانتقالية العسكرية. وهم يقدرون أن الحلف والتسليح والتمويل تتفق والحلف الجديد. فهم يحتاجون الى حليفين مسيحيين متحالفين على السياسة السورية، وليس الى حليفين يتقاتلان، ويضعف واحدهما الآخر، ويضعف اقتتالهما المعسكر الذي يجمعهما.
ولم يبعث تثاقل "القوات اللبنانية" عن قتال القوات السورية، وعن الامتثال لقيادة رئيس الحكومة الانتقالية والقتال تحت لوائه، الحلفاء "العرب" على الطعن في دور "القوات"، ولبنانيتها وكيانها، على ما يجاهر عماد الجيش اللبناني. وحين استبق الرجل حربه اللبنانية – السورية، أراد التمهيد لها بالسيطرة على "القوات"، وشن حرب خاطفة عليها، في 14 شباط (1989). فسبقت "القوات" الجيش الى ساحة انطلياس والجسر المفضي إليها، وعسكرت بعوكر وضواحي السفارة الأميركية. فصدت اللواء العاشر، وحالت بينه وبين النزول من المتن الى الأوتوستراد الساحلي، وبلوغ ضبية – انطلياس، وقطع إمدادات "القوات" من جونيه الى الكرنتينا، حيث المجلس الحربي القواتي. وأثبتت "القوات" دربتها الميدانية في حرب المدن والحركة، وتفوقت على الجيش. وعلى حين ظهر تماسكها، وتحلقها حول قيادة سمير جعجع، ومجلس حربه، بانت الشقوق في الجسم العسكري. فبعض الضباط المسيحيين كان ولاؤهم للقوة العسكرية الأهلية إذا أقدم الجيش الوطني النظامي على ضربها. فلم ير الضباط هؤلاء في حرب قائدهم على منظمة جماعتهم المسلحة تدبيراً سياسياً قويماً. وربما لم يبعد ميشال عون نفسه من مشاطرتهم رأيهم. فهو أمر، في 15 شباط، قواته بالمسير من المتن على عين الرمانة، معقل "القوات"، وحصارها. ونجحت القوات النظامية في اختراق سن الفيل، وإخراج "القوات" من المعركة. ولكن قائد الجيش أحجم عن إكمال المسير، وأوقف الهجوم الذي كان عوض بعض خسارته بأنطلياس والأوتوستراد الساحلي. فإلى الثمن الباهظ الذي كان ربما اضطر الى تسديده من الجنود، دعاه الى التوقف. فالمدنيون، وممتلكاتهم، هم "ميدان" الحرب المسيحية الأول. وكان البطريرك الماروني نصر الله صفير، تهدد قائد الجيش، إذا هو مضى على حربه ومهاجمته "القوات" ومعاقلها، وشرذمة "المجتمع" المسيحي وتكبيده الخسائر (بلغت تكلفة يومي 14 و15 شباط 77 قتيلاً و200 جريح، بحسب تقدير دونته كارول داغر)، بقرع أجراس الكنائس، ودعوة الأهالي الى الخروج وتطويق الوحدات العسكرية المقاتلة. فلم يخطئ "البطل" الحساب ساعتها، وحسب. فألب قوى مسيحية عليه، وخسر مساندة الكنيسة واستعدادها، وأنذر "القوات" بوشك مهاجمته إياها. ودعا الى التشكيك في خطته.
ولم يقتصر الأمر على هذا، ولا على هؤلاء (أي على السنة والشيعة اللبنانيين والحلفاء العرب). فلم يُرق لوليد جنبلاط وهو يرى الفلسطينيين المسلحين الذين قاتلوا في 1983، ثم في 1984 و1985 – 1986، جنباً الى جنب معه ومع المقاتلين الدروز، في سبيل "استعادة" بلاد الغرب، بين سوق الغرب ونهر الدامور ثم على الطريق الساحلية الى صيدا، وبشرق صيدا، الى القوم الدرزي والجنبلاطي وإلى مشايخ صيدا وقياداتها، لم يرق له ان يراهم، و "حلفاءه" الشيعة من "أمل" يستقرون ببلدان ساحل إقليم الخروب السنية والمسيحية، ويقيمون في منازلها، ويستغلون اراضيها، ويضعون يدهم على الهلال المسيحي (والدرزي جزئياً) حول صيدا وروابي الزهراني. وكان وليد جنبلاط يحمل الاستقرار الفلسطيني والشيعي هذا على ايذان بتوطين الفلسطينيين في لبنان، وبالسيطرة عليه من طريقهم، ومن طريق الشيعة. وبينما كان يُسرُّ خشيته هذه أو يعلنها مغمغماً، كان ميشال عون يذهب جازماً الى ان لا توطين في لبنان (على خلاف رأيه منذ عودته من الاغتراب)، وأن بلد التوطين المزمع هو... الأردن. وأراد الزعيم الدرزي حسم المسألة. فأمر، في الأسابيع الأولى التي تلت استيلاء القوات "الوطنية" على طريق الساحل، والإغارة على بلداته وتهجير أهلها الى الحزام وقتل من لم يستعجل الهرب. وإجلاء "القوات اللبنانية" والجيش اللبناني عنها الى جزين وجوارها (وكبدت "المعركة" الجيش اللبناني 45 قتيلاً بعد ان كانت القيادة السياسية والعسكرية السورية وعدت ميشال عون، قائد الجيش الجديد، بكبح رغبة جنبلاط في اجتياحه، على رواية فايز قزي)، أمر بهدم البلدات هذه، وإخلائها. فتوطين فلسطينيين وشيعة يأتمرون بأمر سوري، في ارض هي جزء من "البلد" الدرزي الصغير والقليل، على ما لم يفتأ وليد جنبلاط يقول في قانون الانتخابات طوال العهد السوري، لن يعدم التضييق على قومه وعليه، والحؤول بينه وبين أداء دور "الناخب المسيحي"، أو أحد الناخبين، حين يعود اللبنانيون الى "السوق"، ويبيعون ويشترون.

































