تأملت بيت الكتائب 3 ساعات يوم الوداع... نديم الجميّل يتذكّر 35 سنة ناضلتها صولانج بعد بشير

النهار 2017/03/25

مجد بو مجاهد

يوم خطفوا بشير الجميل في "تلّ الزعتر" كان قلق صولانج غير الطبيعي بادياً على وجهها، وملامحها الحزينة المترقّبة تشي بكلّ شيء. ولم يهدّئ روعها سوى حضرة بشير، عندما مرّ من امام منزلها وطمأن قلبها أنه بخير، قبل ان يعرّج الى منزله لرؤية والده، الشيخ بيار. عندها علمت عائلة توتنجي علم اليقين، ان بين صولانج وبشير حبّاً كبيراً ينمو. وعندما اندلعت الحرب، كانت صولانج يومها مسؤولةً عن النظام اللاسلكي في منطقة الاشرفية، وكان بشير هناك، فتوطدت العلاقة اكثر وكانت مرتاحة الى فكرة رؤيته بشكلٍ دائم. وصار معروفاً، ان بشير يريد الزواج من صولانج، فتكلل الحب بزواجهما سنة 1977.

لكن، القصة لم تبدأ هنا. لأن، والى جانب الحب الشخصي، نهج الكتائب كان راسخاً في قلب صولانج وعقلها مذ كانت في الخامسة عشرة. وكانت المراهقة المندفعة آنذاك ناشطة في مصلحة الطلاب في الحزب، وكانت تقيم اجتماعاتٍ دورية في المقاطعة الرابعة في باب ادريس. واذا ما غصنا اكثر في العلاقات العائلية التي كانت تربط عائلتي الجميل وتوتنجي، نجد ان والد صولانج، الجراح لويس توتنجي، كان صديق الشيخ بيار المقرّب في المدرسة ومن ثم في الجامعة، وكان رفيقه، من ملعب "الفوتبول"، الى تأسيس حزب الكتائب. اذ ان عائلة توتنجي، ملتزمة كتائبياً، وهي تتلاحم وعائلة الجميل في القضية والرؤية، كما تتشابك اياديهما في تجسيد معنى الصداقة الحقيقية. حتى ان العائلتين تكاملتا في الشعارات، اذ ان صورةً علّقها لويس توتنجي في عيادته مكتوبٌ فيها "النجاة في الصدق"، هي نفسها عكسها بشير في قوله الشهير: "قولوا الحقيقة مهما كانت صعبة". وبشير وجو، شقيق صولانج، كانا صديقين صدوقين، وترافقا منذ الصف الثاني ابتدائي على مقعد الدراسة في اليسوعية، ثم انتقلا معاً الى الجمهور، ومنها ترافقا في المرحلة الجامعية.

وفي الخصال الشخصية، يتشارك بشير وصولانج صفة الصلابة، وفق ما يروي شقيقها جو توتنجي لـ "النهار". ويقول انها امرأة صريحة، قادرة على استيعاب المشاكل والمشاركة في حلّها. ولعل اللحظة الاكثر قساوة التي تشاركتها وزوجها، كانت استشهاد ابنتهما مايا التي حلّت مصيبة، زادت من ثقل الهواجس، خصوصاً ان بشير لم يكن يهدأ ويتنقل على الجبهات، وكانت تتابعه يومياً وتسأل عن أماكن وجوده.وعند انتخابه رئيساً للجمهورية اللبنانية، كانت تعايش ثقل الساعات في المنزل، ورغم فرحتها الكبيرة شعرت بتضاعف المسؤولية وبأن الحمل صار كبيراً.

يوم حلّت لحظة الفراق اللعينة، كانت صولانج موجودة الى جانب والدتها في مستشفى الجعيتاوي. "صعد بشير للمشاركة في غداء تكريمي اقامته له راهبات دير الصليب، وزار الوالدة وقال انه ذاهبٌ الى منزل الكتائب في الاشرفية لأنه يريد ان يودع الشباب"، يسرد توتنجي. ويضيف أن بعد مرور عشرين دقيقة، دوّى الانفجار. حينها تساءلت صولانج لا شعورياً عن مكان الانفجار، وركضت مع الشباب الى بيت الكتائب في الاشرفية وكأنها شعرت ان شيئاً ما حصل. "وصلنا وبقيت تتأمل امام انقاض بيت الكتائب ما لا يقل عن 3 ساعات، حتى اتى الدكتور بول الجميل، وقال لها عليك ان تأتي معي". عندما علمت نبأ الرحيل، اصيب الجميع بالذهول، ولا احد يعلم كيف استطاعت الوقوف على رجليها وتمالك نفسها. يقول توتنجي انها كانت صلبة وتحمّلت الصدمة وكان امامها خياران، اما الانهيار او الوقوف على رجليها. لكن الطريق بعد بشير كانت مثقلة بالصعوبات.

لعبت صولانج دور الاب ودور الام بعد استشهاده، لكنها كانت تريد ان تبقي طيفه مخيماً في ارجاء المنزل. يومها كان عمر نديم 4 اشهر، وعمر يمنى سنة ونصف السنة. احاطتها العائلة بشكلٍ كامل وخصوصاً الست جنفياف، كما يقول توتنجي. وبعد سنين قليلة، بدأ الولدان تلقائياً يبحثان عن والدهما في شرائط الفيديو، فعايشاه بطلَ فيلمٍ سينمائي. واليوم، ماذا يقول النائب نديم الجميل لـ "النهار" عن دور أمّه في مرحلة طفولته؟

"كانت تخبرنا تجربتها معه، وعن تصرفاته في بعض الامور التي لا يعرفها الناس عنه، والتي عايشتها معه شخصياً في المنزل، وتقصّ علينا تفاصيل العلاقة الشخصية اكثر من الامور العامة المتعارفة عنه كقائد او رئيس جمهورية او عسكري. ولعبت دوراً تربوياً كاملاً وحاولت ان تغطي الفراغ، ولا استطيع ان اقول ما هو الفراغ لان لبنان كله عاش غياب بشير، واي مواطن لبناني يعترف بالفراغ الذي خلّفه وراءه، فكيف في بيته وعائلته الخاصة. لكن عنوان صولانج كان التفاني والعطاء من دون قيد او شرط. عايشت القيم والمبادئ التي تعرفها في بشير وطبقتها معنا، ولم تنظر خلفها، بل كان همها الاساسي تربية ولديها، وهذه بحد ذاتها قيمة، قلائل يتمتعون بها". ويؤكّد الجميّل أن والدته مرّت في ضغوط عدة وحوربت. والمحاربة لم تكن شخصية الدافع، بقدر ما كانت محاربة لفكر بشير وشخصه وقيمه، التي كانت تحافظ عليها وتترجمها في الكتب وفي المؤسسة، "كان ولا يزال هناك مشروع لضرب هذه القيم والمبادئ، لكنها كانت صلبة ووقفت في وجه الجميع وفرضت احترامها واخلاقياتها". وفي رأيه ان "الانسان يتعلم من المأساة التي في حال نجح في تخطيها ستجعله اقوى مما كان عليه سابقاً". الى اي مدى أيّدت دخولك المعترك السياسي؟ يجيب: "لم يكن سهلاً ان تقبل تعريض حياة بقية عائلتها للخطر جراء دخول عالم السياسة، فهي تقلق لانها ذاقت طعم مرارة الموت اكثر من مرّة، خصوصاً انها قدّمت ابنتها وزوجها للقضية والوطن، والمسألة هنا تختلف عن شخصٍ يمارس الحياة السياسية للمرة الاولى".

يختصر نديم الجميل رسالته الى امّه بعنوانين، الحب والشكر لكل ما قدّمته لهذا الوطن من شهداء عظماء كأمٍّ وكزوجة، وكلّ ما قدّمته له شخصياً بصفتها اماً ولتجسيدها دور عائلة متكاملة، وقفت الى جانبه وساندته في حياته، ويعدها انه سيبقى وفياً للمبادئ التي رسّختها في ذهنه. اما شقيقها جوزف، فيؤكّد دورها الجوهري في تربية الاولاد. يقول انها حاولت قدر الامكان الاضطلاع بدور الاب، لكنه يتدارك نفسه ويعقّب: "مهلاً، بشير لا احد يستطيع ان يحلّ مكانه".

comments powered by Disqus