لبنان: نقمة شعبية على «سلة ضرائب» لـ «تمويل الهدر»

الراي 2017/03/17

| بيروت - من ليندا عازار |
... «بلد العجائب». لقبٌ يستعيده لبنان هذه الأيام «في زمن» قانون الانتخاب الذي بات البحث عنه أقرب الى «مسلسلٍ» من طروحات تتهاوى الواحدة تلو الأخرى بعد ان تُرشق بـ «علامات التعجّب»، وملف سلسلة الرتب والرواتب الذي فتح «صندوق الفرجة» الفضائحي حول «حلقات» الهدر والفساد اللذين ينخران الجسم المالي والإداري للدولة ولا يثيران حتى «التعجّب» في صفوف غالبية الطبقة السياسية.

أمس كان يوم «الاستعادات» في بيروت... فـ «الدكتور داهش» (سليم موسى العشي)، الساحر او المشعوذ للكثيرين و«الرجل الخارق» صاحب «الأعمال العجائبية» لمريديه، الذي طبع منتصف القرن الماضي استُحضر في إعلام فريق 8 آذار القريب من «حزب الله» في معرض «إطلاق النار» ذات الدلالات البالغة الأهمية على الإقتراح الثالث الذي قدّمه رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل لقانون الانتخاب والذي تعاطتْ معه غالبية القوى السياسية، من «الأقربين» قبل «الأبعدين» على انه «مدهش» بالمعنى السلبي ولم يكن مرّ اليوم الثالث على إعلانه حتى كانت «الأجوبة» التي انتظرها صهر الرئيس ميشال عون تتوالى مباشرة او غمزاً مؤكدة انه «وُلد ميتاً».

وفيما شكّل الهجوم اللاذع لإحدى صحف 8 آذار على «قانون الدكتور داهش» والكلام عن «الداهشية السياسية» إشارة معبّرة جداً الى الموقفِ من اقتراحات الوزير باسيل (من دون تسميته) التي يَبرز كل مرّة انها تتلقى أقصى ضرباتها على يد «الثنائي الشيعي»، «حزب الله» والرئيس نبيه بري، فإنه مع طيّ صفحة الطرح الثالث لرئيس «التيار الحرّ» الذي اجتمعتْ قوى سياسية عدة على رفْضه (ايضاً النائب وليد جنبلاط والنائب سليمان فرنجية وأطراف آخرين)، فإن ضغطاً يجري لنقل «كرة» قانون الانتخاب الى ملعب الحكومة التي يفترض ان تنكبّ عليه بعد الانتهاء من بتّ الموازنة العامة (هناك جلسة لاستكمال مناقشتها النهائية اليوم).

ويترافق ذلك مع مخاوف من ان يشلّ هذا الملف عملها وينقل الخلافات المتشابكة حوله الى داخل مجلس الوزراء، ولا سيما انه لا يوجد في الأفق ما يؤشر الى اي امكانية للتفاهم على صيغة «قابلة للحياة» وتوافق عليها القوى السياسية التي تتعاطى مع هذا الاستحقاق على قاعدة «مقلوبة» تقوم على وجود «نتيجة» تمت «محاكاتها على الورق» ويُجري كل طرف عملية «حياكة» لقانونٍ يضمن الوصول اليها، ناهيك عن كل الاعتبارات الداخلية والخارجية التي تتحكّم بمسار الانتخابات النيابية المقبلة باعتبارها بالنسبة الى غالبية الأطراف «ممراً» للانتخابات الرئاسية اللاحقة (2022)، للمرشحين والناخبين معاً، وتعاطي «حزب الله» خصوصاً معها كأحد مفاتيح الإمساك بالإمرة الداخلية في اللعبة السياسية وما يعنيه ذلك من تداعيات على صعيد «ترييحه» في عملية إحكام القبضة على الإمرة الاستراتيجية.

وفي حين تتزايد في بيروت الإشارات الى ان «كأس سمّ» التمديد الجديد للبرلمان، ولو تمّ بـ «جرعات صغيرة» (لفترات قصيرة) بدأ يقترب في ظل استحالة إنجاز الانتخابات قبل انتهاء ولاية البرلمان في 20 يونيو المقبل، وهو ما سيتكرّس مع مرور 21 الجاري الذي ستَسقط معه آخر مهلة دستورية لدعوة الهيئات الناخبة بما يسمح بإجراء هذه الانتخابات في الأشهر الثلاثة المقبلة (في ظل تمسك رئيس الجمهورية بعدم توقيع اي مرسوم وفق قانون الستين النافذ حالياً)، فإن «تجرُّع» اللبنانيين سلّة ضرائب جديدة مواكَبةً لإقرار سلسلة الرتب والرواتب التي يستفيد منها عشرات الآلاف من العاملين والموظفين في الادارات والمؤسسات العامة (ومنها العسكرية) والهيئة التعليمية، استدعى ايضاً استعادة ما يشبه لعبة «الشرطي والحرامي» التي تَولّى فيها المواطنون دور «مطاردةٍ» للنواب والوزراء بدأتْ على مواقع التواصل الاجتماعي وانتقلت الى الأرض بدءاً من يوم أمس، مع الدعوات الى تحرُّكات في الشارع، وسط اتخاذ العديد من النواب وضعيّةً دفاعية بوجه اتهاماتٍ جَماعية لهم بـ «السرقة».

وشكّل رفْع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 في المئة من 10 الى 11 في المئة الى جانب رفْع الرسوم على استهلاك المشروبات الروحية المستوردة بنسبة «خيالية» (الى ما بين 25 و35 في المئة من السعر النهائي للمنتج) وزيادة الرسوم على استهلاك منتجات الدخان، بمثابة «عود ثقاب» أشعل «غضبة» المواطنين كما الهيئات النقابية والاقتصادية، فيما كانت «المزايدات» داخل الجلسة العامة للبرلمان تحوّلها أشبه بـ «برج بابل» بعدما تولى نواب كشف استسهال «مدّ اليد» على جيوب المواطنين عوض وقف مزاريب الهدر، كما فعل النائب سيرج طورسركيسيان بإثارته ملف التهرب الضريبي في الجمارك الذي قدّره بما يناهز المليار و900 مليون دولار، فيما أشار النائب سامي الجميل الى ان هناك نحو 4.5 مليار دولار سنوياً يمكن ان تدخل الخزينة بين إهدار وفساد وتهرب ضريبي.

من ناحية أخرى، وبعدما كان مقرَّراً ان ينتهي إقرار سلسلة الرتب والرواتب في البرلمان مع ايراداتها مساء امس، كانت المفاجاة بعدم اكتمال نصاب الجلسة العامة للبرلمان، وخروج كل من نائب رئيس البرلمان فريد مكاري الذي كان يترأس الجلسة (نتيجة انشغال بري بوفاة صهره) ورئيس الحكومة سعد الحريري محمّليْن «المزايدين» مسؤولية السعي الى «تطيير السلسلة» وداعييْن وزارة الداخلية الى التحرّك ضدّ «مروّجي الاكاذيب» ومَن سرّبوا معلومات عن ضرائب غير ملحوظة أصلاً، ومَن أطلقوا «الكلام البذيء» الذي وُجّه من «المجتمع المدني» بحق البرلمان وأعضاء والحكومة.

وفي حين سمّى مكاري رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميّل وحمّله مسؤولية «الإلتفاف على السلسلة من والعمل على ايجاد جو معيّن (...) وموضوع الزيادة على الخبز والبنزين غير موجود إلا في أذهان مواقع التواصل التابعة للكتائب»، اكد الحريري «ان هناك مجموعة من الاكاذيب التي سُربت على مواقع التواصل الاجتماعي وسنسمي مَن سرّبها بالاسماء، واذا كان في مجلس النواب سنطرح رفْع الحصانة عنه»، معلناً «اننا مصرون على إقرار السلسلة في اول جلسة قريبة يدعو اليها الرئيس بري وسنعيد الثقة بالحكومة».

وبدا واضحاً ان المناخ «العاصف» نيابياً الذي انفجر مساء امس وتَكرّس مع ردّ النائب الجميّل رافضاً اتهام حزبه بتسريبات «لم تحصل عبر اي من صفحاتنا»، مرتبط بالتحركات الاعتراضية التي بدأت بعد ظهر امس في الشارع ضد سلّة الضرائب التي كان بوشر إقرارها قبل الظهر وقوبلتْ بنقمة عارمة.

من جهة أخرى، توّج الرئيس اللبناني العماد ميشال عون زيارته للفاتيكان بلقاء البابا فرنسيس الذي أكد أنه سيزور لبنان، وهو يصلّي دائماً له.

وقال الرئيس عون بعد الخلوة التي عقدها مع البابا في أولى زياراته لاوروبا إن «البابوات رأوا دائماً في وطننا نموذجاً ولبنان يتطلع على الدوام إلى الكرسي الرسولي بمنتهى التقدير والامتنان»، مضيفاً: «للبنان العيش الواحد مكانة خاصة في قلب البابا فرنسيس وهو سيلبّي الدعوة لزيارة وطن الأرز».

comments powered by Disqus