لبنان: «8 آذار» تضغط لحكومة بتوازنات «ما بعد حلب»

الراي 2016/12/16

أثارتْ الموجة الأخيرة من التعقيدات التي اعترضتْ ولادة الحكومة العتيدة في لبنان مزيداً من الشكوك لدى الأوساط القريبة من الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري ومن قوى «14 آذار» في حقيقة اتجاهات القوى الأخرى الحليفة للنظام السوري وإيران.

وعلى رغم اتباع الحريري سياسة الاحتواء الهادئة والبعيدة عن أيّ انفعالٍ في التعامل مع مسلسل الشروط والمطالب والمتغيّرات التي تَواجَه به مهمّته منذ نحو شهر ونصف شهر، فإن الانطباعات التي تسود الأوساط القريبة من الرئيس المكلّف تتّسم بنظرةٍ سلبية الى «الانقلاب» الذي حصل قبل يومين والذي تمثّل في معاودة فرض أطراف الفريق الآخر الذي يتقدّمه رئيس مجلس النواب نبيه بري و«حزب الله» البحث في تركيبة حكومية من ثلاثين وزيراً بدلاً من 24 كان الحريري يوشك على إعلانها بعد زيارته القصر الجمهوري عصر اول من امس.

وقد ضاعت الحقائق بين مَن فرض هذه التركيبة ومَن رفضها ومَن قبَلها، عقب لقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس الحريري وهو اللقاء الذي أفضى واقعياً الى عودة الأمور الى الوراء من دون القدرة على تحديد موعدٍ ثابت لاستكمال التفاهمات الجديدة التي باتت تمليها تركيبة الثلاثين وزيراً.

ولكن الأوساط المواكِبة لمجريات عملية تأليف الحكومة وتعقيداتها، تؤكد ان الرئيسين عون والحريري تعاملا بمرونة مع مطلب التشكيلية الثلاثينية رغم انهما كانا يتحفظان مسبقاً عنها، ولكن ذلك لن يقلّل من وطأة الرجوع الى إعادة توزيع الحقائب وتحديد الأحجام وما يمكن ان يثيره مجدداً من تعقيدات وتصادُم في المطالب بين قوى عدة، علماً ان أحزاباً وشخصيات جديدة دخلت على خط العملية بعد توسيع التركيبة.

ومن أبرز تعقيدات صيغة الثلاثين، إصرار الرئيس بري على ان تكون حصة الطائفة الشيعية في مثل هذه التركيبة 5 حقائب لستة وزراء بدل أربع هي الى جانب المال حقيبتا الزراعة والاقتصاد (لحركة «أمل») ووزارتا الصناعة والشباب والرياضة لـ «حزب الله» اضافة الى وزير دولة. والى جانب إصرار النائب طلال ارسلان، الذي يصبح دخول حزبه حتمياً الى الحكومة الموسّعة، على الحصول على حقيبة لها وزن، تبرز مسألة الحقيبة التي ستُمنح لحزب «الكتائب» الذي يتّسع له مكانٌ في مثل هذه الصيغة والذي يرفض ان يتمثّل بوزير دولة ولا سيما اذا كان القرار بأن يمثّله رئيس الحزب النائب سامي الجميل، ناهيك عن الحديث عن حقيبة للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي سيدخل بدوره الحكومة.

وفي موازاة ذلك، تعتبر الأوساط المواكِبة لمجريات عملية تأليف الحكومة ان الانتقال الى حكومة الـ 30 سيكون على حساب حصة الثنائي المسيحي اي «التيار الوطني الحر» (حزب الرئيس) و«القوات اللبنانية» باعتبار ان الحقائب محددة في اي حكومة بـ 24، لافتة في هذا السياق الى مشكلة فعلية في ظل إصرار هذا الثنائي على ما سبق ان تفاهما عليه قبل الانتخابات الرئاسية لجهة ان حصتهما في الحكومة العتيدة ستكون متساوية.

وتقول الاوساط نفسها انه سيكون من الصعوبة بمكان فصل هذا التطور عن مجريات السياسات التي يتبعها الفريق الذي أصرّ على العودة الى تركيبة ثلاثينية والتي تسعى بوضوح الى تثقيل التوازنات داخل الحكومة بما يخدم مصالحه، بدءاً بتوفير ما كان يوصف سابقاً بالثقل الضامن لقوى 8 آذار والثنائي الشيعي تحديداً. وأثارت أسماء وزراء مرشحين او رشحوا في اللحظة الأخيرة وبشكل مفاجئ مزيداً من التوجس لكون أصحاب هذه الأسماء معروفين بأدوار اضطلعوا بها في عهد الرئيس السابق إميل لحود الذي يُعتبر الحليف الأوثق بالنظام السوري و«حزب الله» واغتيل الرئيس رفيق الحريري خلال ولايته. ومن هؤلاء الوزير السابق يعقوب الصراف الذي طُرح اسمه كوزير للدفاع من حصة الرئيس عون، علماً ان اسمه أثار نقزة واسعة لدى أطراف 14 آذار ولا سيما الحريري و«القوات اللبنانية»، كما طرح اسم الوزير السابق سليم جريصاتي الذي لعب دوراً بارزاً في مناهضة المحكمة الدولية إبان عهد لحود، كما طرح اسم الوزير السابق البقاعي عبد الرحيم مراد الذي يُصنَّف في الفئة نفسها.

ومجمل هذه المؤشرات دفعت الأوساط المواكِبة نفسها الى التوجّس من مجريات التعقيدات الجديدة وإسباغ أبعاد عليها تتخطى البُعد المتصل بتوسيع التركيبة الحكومية من الزاوية المحاصصية الصرفة الى التساؤل عما اذا كان ثمة ربط بين هذا التطور وسقوط مدينة حلب بأيدي النظام السوري، الأمر الذي يندفع معه حلفاء النظام اللبنانيون الى فرض توازن جديد أكثر تماسُكاً واتساعاً داخل الحكومة العتيدة. وتنتظر الاوساط ما ستحمله الساعات المقبلة من تطورات، علماً ان الاجواء السائدة لا توحي بولادة وشيكة للحكومة هذا الأسبوع على الأقل، إلا إذا حصلت مفاجأة ليست في الحسبان.

وفي سياق غير بعيد، ربطت أوساط سياسية بين رفع السقف حكومياً من فريق 8 آذار وبين الاندفاعة القوية التي يقودها «حزب الله» على خط قانون الانتخاب الذي سيكون البند الاول على جدول الاعمال الحكومة الجديدة، وسط طرح الحزب مطلب اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على قاعدة نظام الاقتراع النسبي بالكامل، وهو الامر الذي يلقى رفضاً كبيراً من قوى سياسية وازنة أبرزها الرئيس الحريري والنائب وليد جنبلاط، الأمر الذي يُفسّر على أنه إما إطلاقٌ للمفاوضات ذات الصلة بقانون الانتخاب من السقف الأعلى للوصول الى القانون المختلط بما يلائم تطلُّع «حزب الله» الى الإمساك بالأكثرية في البرلمان الجديد، وإما على انه مزيد من ممارسة سياسة الأمر الواقع في وجه الجميع على وهج التطورات في المنطقة.

comments powered by Disqus