هل تحمل إطلالة نصر الله الجمعة «الترياق» لأزمة تشكيل الحكومة اللبنانية؟

الراي 2016/12/07

تدور عملية تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان في دائرةٍ مفرغة تكاد تتردّد معها يومياً المفردات نفسها التي كانت تطبع مرحلة الفراغ الرئاسي، الأمر الذي باتت تزداد معه المخاوف من أزمةٍ حقيقية ترتسم معالمها مع بدايات عهد الرئيس ميشال عون.

ولعلّ أكثر ما يعبّر عن هذه المخاوف ان بعض الجهات السياسية في فريق «8 آذار» لم تعد تجد حرجاً في التبشير بإطالة الأزمة الى السنة الجديدة المقبلة ما لم يتمّ تصويب ميزان القوى داخل التركيبة الحكومية المطروحة والتي تنظر اليها هذه الجهات أسوةً بالثنائي الشيعي «أمل» و«حزب الله» على أنها مختلّة لمصلحة الثنائي المسيحي «التيار الوطني الحر» (حزب الرئيس عون) و«القوات اللبنانية» بالاضافة الى «تيار المستقبل» (يتزعّمه الرئيس سعد الحريري).

وقالت مصادر مطلعة على الاتصالات السياسية الجارية حول تعقيدات تشكيل الحكومة لـ «الراي» إن اي تطور لم يُسجل منذ أيام، بما يرسم مزيداً من الريبة حول مسار التعقيدات والشروط التي تحول دون حلحلة الجمود القائم، بما يضاعف الهواجس من خلفياتٍ تتجاوز مسألة الحقائب الوزارية الى الأبعد منها.

وما استوقف هذه المصادر ان الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري بدا في حالِ حذرٍ متصاعدة منذ قيامه بزيارته الأخيرة لقصر بعبدا الاسبوع الماضي، وهو التزم جانب الترقب والانصراف الى الاتصالات البعيدة عن الأضواء، بما يؤشّر الى تَوجَسُّه من المواجهة الجارية ضمناً بين العهد الجديد وفريقه وبين الثنائي الشيعي حول مسألة تمثيل زعيم «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية في الحكومة التي يصرّ على ان ينال فيها واحدة من 3 حقائب هي الطاقة او الاتصالات او الأشغال.

ومع ان القريبين من الحريري يلتزمون الابتعاد عن التسريبات الاعلامية والصحافية في شكلٍ واضح في الفترة الأخيرة، فإن المصادر تعتقد ان هذا الصمت يدلّل على قرارٍ لا لبس فيه لدى الحريري بعدم إحراق أصابعه في معترك مواجهةٍ يخوضها الأطراف الآخرون لاعتباراتٍ تتجاوز تأليف الحكومة ولو من خلال معركة الحقائب الوزارية، وانه يرى أن الأفضل لمهمّته ان يبقى في منأى عن تداعيات هذه المواجهة مع الثبات على تركيبة الـ 24 وزيراً التي وضعها لحكومته العتيدة والتي لا تحتاج إلا الى تثبيت حقيبة «المردة» لتبصر النور.

وقالت المصادر ان مهلة نهاية السنة او عيد الميلاد التي يتردّد انها المهلة النهائية لإبصار الحكومة النور تبدو واقعية ولا تزال امكانات تَحقُّقها معقولة للغاية اذا حصل أيُّ تطور ايجابي على خط تسوية المواجهة بين العهد والنائب فرنجية المدعوم بقوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري و«حزب الله». ومن هنا برز ترقُّب كبير لموقف مهمّ يُنتظر ان يصدر عن الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله في كلمته المتلفزة التي حُددت مساء بعد غد والتي يمكن ان تشكل انطلاقة لتسوية يضطلع فيها الحزب بدور فعال بين حليفيْه الرئيس عون و«التيار الوطني الحر» من جهة والرئيس بري والنائب فرنجية من جهة أخرى.

واذ تلاحظ المصادر نفسها ان دخول الحزب عبر أمينه العام مباشرة على خط الأزمة سيعني ان الحزب قرّر إنهاء فترة التفويض التي منحها لبري في الملف الحكومي، فإن هذا التطور في حال حصوله يعني ان تنازلات متبادلة ستحصل بين العهد وفرنجية شكلاً ومضموناً لتمكين الرئيس المكلف من انجاز مهمته قبل نهاية السنة، من دون إغفال ان اي تسهيل لولادة الحكومة اذا حصل في أعقاب إطلالة نصر الله، سيجعل الأخير يظهر بمظهر «مالك مفاتيح» الحلّ والربط في الملف الحكومي.

ومع ذلك، فان المصادر تنظر بحذر شديد الى عامل الوقت الذي بدأ يضغط بقوة على العهد والرئيس المكلف لإنجاز التشكيلة الحكومية، وإلا فان مرور فترة الأعياد من دون ولادة الحكومة سيرسم معالم خلفياتٍ إقليمية عادت تحاصر الواقع اللبناني وتضعه في رفّ الانتظار بما يهدّده بتداعيات سلبية، رغم ان أوساطاً سياسية توقفت باهتمام عند كلام بهرام قاسمي، الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، من ان المملكة العربية السعودية تعاونتْ للمرّة الثانية مع إيران في إطار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، موضحاً «أن السعودية تعاونتْ مع إيران للمرة الأولى في قضية الانتخابات الرئاسية اللبنانية»، معتبراً «أن هكذا تَعاوُن يمكن أن يحلّ المشاكل على الساحة الدولية».

وشكّل كلام قاسمي أوّل إشارة ايرانية الى ان الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي أفضت الى وصول عون (الذي كان مرشح «حزب الله» الرسمي) الى قصر بعبدا في 31 اكتوبر الماضي بعد نحو 29 شهراً من الشغور جاءت من ضمن سياقٍ إقليمي لاقى الحِراك اللبناني الكبير في هذا الملف وكان «نصفه الثاني» عودة الحريري الى رئاسة الحكومة، هو الذي يشكّل أحد أبرز عناصر استعادة الواقع اللبناني تَوازُنه نظراً الى وزنه التمثيلي الكبير سنياً ووطنياً من جهة الى جانب كونه عنواناً للحضور السعودي في المشهد اللبناني.

وفيما بات الإفراج عن الحكومة الجديدة يمثّل الاختبار الفعلي لمدى جدية فريق «8 آذار» وامتداده الاقليمي في توفير انطلاقةٍ سلِسةٍ للعهد الجديد بدت بدورها مرتبطة بـ «النقزة» التي عبّر عنها قريبون من هذا الفريق حيال خيارات عون في مرحلة ما بعد توليه الرئاسة وصولاً الى تحالفاته الانتخابية المقبلة (مع «القوات» وربما مع «المستقبل»)، فإن إطلالة نصر الله الجمعة يفترض ان تزيل كل هذه الالتباسات وتؤكد على «علاقة الثقة الكاملة» مع عون وتياره السياسي وبتموْضعه الاستراتيجي، ليبقى التعويل على ترجمات هذا الكلام عملياً.

وحذّرت المصادر المطلعة على الاتصالات السياسية الجارية حول تعقيدات تشكيل الحكومة في هذا السياق من ان احتمال إخفاق جهود التأليف قبل عيديْ الميلاد ورأس السنة الجديدة سيفتحان لبنان على تداعيات استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة من دون ضوابط وسط الخلاف العميق على قانون الانتخاب، فيما يصعب التكهن بطبيعة التعقيدات الكبيرة التي سيواجهها العهد في حال بقي من دون حكومة جديدة ومع حكومة تصريف أعمال وبدء عدٍّ عكسي لإجراء الانتخابات في موعدها من دون قانون جديد.

comments powered by Disqus