قزي كشف لـ «الراي» خفايا عودة عون إلى بيروت من «لقاء المسبح» مع غزالة إلى «فاكس» مراد

الراي 2008/11/29

«العماد ميشال عون في سورية»… إنها الزيارة الحدَث التي تأتي بعد عداوة مُستحكمة بين الطرفين وصلت حدّ الحروب والصراعات الدموية.

ورغم ان البعض ينظر إلى زيارة «الجنرال» لدمشق من زاوية انها تندرج في سياق «تطبيع العلاقات الندّية والسوية بين جارين يتشاركان المصالح»، إلاّ أنَّ ذهاب عون إلى «أرض الشام» يثير علامات استفهام عدة، لا سيما ان هذه الخطوة تأتي في سياق «إعادة التموْضع» التي ينتهجها زعيم «التيار الوطني الحر» منذ عودته الى لبنان من منفاه الباريسي في 7 مايو 2005 والتي حملته من قلب «انتفاضة الاستقلال» الى المقلب الآخر، بدءاً من توقيع وثيقة التفاهم مع «حزب الله» في 6 فبراير 2006 وصولاً الى زيارته لايران في 12 اكتوبر الماضي.

كثيرةٌ هي التأويلات التي ترافق زيارة عون لسورية، سواء لناحية «بنك الأهداف» الذي رسمه «الجنرال» لها، أو لجهة التوظيفات السورية لها. ولا شك في ان الطيّ «الرسمي» لصفحة «العداء» بين عون ودمشق ستكون له ارتداداته على الساحة اللبنانية وعلى موقع زعيم «التيار الحر» فيها، وتحديداً في الإطار المسيحي على مشارف الانتخابات النيابية (ربيع 2009 ) من دون إغفال تأثيراتها على مستوى إعطاء «جرعة أوكسيجين» مسيحية لما يعرف بالمحور السوري – الإيراني ونفوذه في لبنان.

ومّن يرصد بدقّة العلاقات بين عون وسورية يجد انها شهدت منذ الثمانينات «مداً وجزراً» منذ ان كان «الجنرال» قائداً للجيش (عُين في يونيو 1984 ) وصولاً الى توليه رئاسة الحكومة العسكرية الانتقالية في 22 سبتمبر 1988 بعد تعذُّر انتخاب خلف للرئيس امين الجميّل الذي ترك «القصر» لـ «فخامة العماد» الذي لم يغادره الا في 13 اكتوبر 1990 بعد عملية عسكرية شارك فيها الجيش السوري وطيرانه الحربي الذي قصف القصر الجمهوري ووزارة الدفاع في «يوم أسود» دموي لجأ معه عون الى السفارة الفرنسية حيث بقي حتى29 اغسطس 1991 حين غادر عبر شاطئ ضبيه الى قبرص ومنها الى باريس على متن بارجة حربية فرنسية.

وعون، الذي كان «مرشح سورية» في لبنان في بداية مارس من العام 1989 اعلن ضدها «حرب التحرير» في 14 مارس من العام عينه، لتستحكم «العداوة» بين الجانبين على مدى نحو 16 عاماً. فبعد نفي «الجنرال»، ظل يواجه من باريس «الاحتلال السوري» رافعاً الصوت بوجه اتفاق الطائف الذي أُقر في 22 اكتوبر 1989 أقر الاصلاحات الدستورية ونص على إعادة تموضع القوات السورية في البقاع تمهيداً لانسحابها الكامل في غضون سنتين وضد السلطة اللبنانية التي انبثقت منه، وبقي مناصرو «التيار الوطني الحر» يُجابَهون في زمن الوصاية السورية بأقوى وأقسى أشكال القمع والإسكات والملاحقة.

لم يتوان عون عن الذهاب في معاداته لسورية الى حد الشهادة امام الكونغرس الأميركي في 17 سبتمبر 2003 داعماً إقرار قانون محاسبة سورية، وكان ابرز المتحمسين للقرار الدولي الرقم 1559 (سبتمبر 2004 ) الذي دعا، بوضوح، إلى جلاء كل القوات الأجنبية عن الأراضي اللبنانية، بما فيها القوات السورية.

وبُعيْد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 شكل «التيار الحر» أحد أبرز الأركان في «انتفاضة الاستقلال» التي انفجرت في 14 مارس 2005 وفرضت الانسحاب السوري الكامل في 26 ابريل 2005 ليعود بعدها عون إلى وطنه في 7 مايو من العام نفسه ويخوض الانتخابات النيابية بوجه الأطراف الآخرين في «14 مارس» الذين كانوا (وتحديداً النائبين سعد الحريري ووليد جنبلاط) انخرطوا في «التحالف الرباعي» (مع «حزب الله» وحركة «أمل»)، وسط «همس» كان سبق رجوع «الجنرال» من باريس عن ملابسات العودة بعد سلسلة اجتماعات في العاصمة الفرنسية مع النائب اميل لحود، (نجل رئيس الجمهورية السابق اميل لحود الذي مدّدت سورية ولايته «بالقوة» في سبتمبر 2004 ) ورئيس حزب الكتائب آنذاك كريم بقرادوني الذي كان نقل الحزب الى «احضان دمشق».

وبعد الانتخابات التي أفرزته «زعيماً مارونياً» بكتلة مرموقة، بدأ عون «إعادة تشكيل» موقفه وموقعه وصولاً الى الانتقال الى «الضفة الأخرى» التي تدير دفّتها سورية وايران، فصار «متفاهماً» ومتحالفاً مع الموالين لهما في لبنان، الى ان حان وقت تكريس هذا «الانقلاب على الذات» بطرْق أبواب طهران ودمشق عبر طرُق… «مختصرة».

وللإضاءة على طبيعة العلاقات «العونية – السورية» وملابساتها خلال كل هذه المراحل وغيرها، التقت «الراي» السيد فايز قزي الذي كان يُعد من أشد القريبين إلى عون وعمل على خط العلاقات بينه وبين السوريين ورسم منذ العام 2004 مع دمشق «خريطة طريق» عودة «الجنرال» الى بيروت في اطار «تفاهم مكتوم» بنوده سياسية انتخابية ومالية قضائية.
من العلاقات الملتبسة إلى العداوة

في معرض تفنيده للمراحل التي مرت بها العلاقة بين عون وسورية، يقول قزي: «العلاقة بين العماد عون والسوريين بدأت ملتبسة حين كان الأخير قائداً للجيش وصولاً إلى مرحلة توليه رئاسة الحكومة العسكرية الانتقالية (العام 1988 ) والتي برز خلالها الموقف السوري المُعادي له. وأظن أنَّ أساس العلاقة بين عون وسورية، قبل توليه رئاسة الحكومة العسكرية، قام على تكبير صورته ودوره من قبل السوريين لوضعه في وجه رئيس الجمهورية أمين الجميّل، آنذاك. وعون زار سورية في تلك الحقبة، أيْ قبل أبريل 1985 مرتين لأنه، بعد ذلك التاريخ، حصلت قطيعة بينه وبين السوريين».

يضيف: «صراحةً، لم أكن على معرفة بالعماد عون في تلك الفترة، فقد التقيته بعد 28 أبريل 1985 وهو تاريخ تهجير أهالي اقليم الخروب وشرق صيدا. وعندما زرت دمشق لمعالجة ملف مهجري المنطقتين مع كل من عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي جُبهت بالرفض بحجة القطيعة مع الجنرال عون فدخلت، حينها، على خط العلاقات بين عون والسوريين من باب تسهيل ملف المهجرين».

ويستطرد: «أظن أنَّ هذه كانت مرحلة مناورات من الفريقين ولم تكن علاقة تبغي الصدق أو التحالف الحقيقي. فالعماد عون استعان بالسوريين لردّ «اعتداء» الرئيس الجميّل عليه كقائد للجيش آنذاك، باعتبار أنَّ الجميّل لم يكن يتعامل معه بعد العام 1986 ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رشيد كرامي (في الأول من يونيو 1987) كقائد للجيش بل كمتمرد على سلطته في قيادة البلاد ورئاسة الجمهورية. في تلك المرحلة، احتاج العماد عون لسورية واحتاجت سورية، بحكم علاقتها المتوترة بالجميّل، إلى عون الذي كان قادراً أن يشكل لها نوعاً من التغطية التكتيكية للضغط على رئيس الجمهورية».

ويتابع قزي: «في مرحلة ما بعد استشهاد الرئيس كرامي، طلبَ السوريون من الجميّل ثمناً لهذا الاستشهاد، وكان من الطبيعي أن يدفع الجيش اللبناني هذا الثمن باعتبار أنَّ كرامي اغتيل في طوافة تابعة للجيش، فحصلَ شبه توافق على إقالة عون، إلا أنَّ المرسوم الذي أعدّته رئاسة الوزراء، وكان حينها سليم الحص رئيساً للحكومة، نصَّ على إقالة قائد الجيش ورئيس المخابرات سيمون قسيس معاً.

وقَّعَ رئيس الحكومة المرسوم وكذلك فعل وزير الدفاع عادل عسيران وأُرسل إلى الجميّل للتوقيع النهائي، وكاد هذا الأخير أن يُوقّع لولا الطلب الذي تقدم به إلى السوريين بالاكتفاء بإقالة عون بما أنَّ رئيس المخابرات «محسوب عليه». لكن السوريين عطّلوا، في نهاية الأمر، توقيع المرسوم بالكامل. أظن أنَّهم اكتشفوا أنه في حال أُقيل عون قد يأتي الجميّل بقائد أكثر ولاء له، كما أنهم، بالإبقاء على عون، حافظوا على تناقض داخل الدولة اللبنانية بالإمكان الاستفادة منه».

ويروي قزي: «استمرت العلاقة بين عون والسوريين ملتبسة وضبابية إلى أن أُعلن عن ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية في أغسطس 1988. في تلك الآونة، «تآمر» عون، وأنا كنتُ معه في هذه المؤامرة، مع «القوات اللبنانية» لمنع اكتمال النصاب في جلسة الانتخاب، وما زلتُ أذكر جيداً أن جريدة «السفير» المقربة جداً من سورية كتبت في صباح اليوم التالي: «سقط النصاب وسقط ميشال عون».

كان السوريون يتواصلون معنا، أي فريق ميشال عون، ويمارسون علينا الضغط لإكمال النصاب ويقولون إن فرنجية سيكون رئيساً موقتاً وسيترأس الجنرال عون البلاد من بعده، إلا أنَّ عون أصر على تعطيل النصاب وإفشال الانتخابات، وعندها أعلن السوريون عداءهم وغضبهم الكبير تجاهه وبالتالي القطيعة معه».

ويضيف: «جرت محاولات كثيرة لإصلاح العلاقات، ومنها محاولات قمتُ بها أنا شخصياً واستمرت إلى حين تمّ التوافق على شخص مخايل الضاهر رئيساً للبلاد. عندما حصل هذا التوافق الأميركي – السوري على شخص الضاهر كان عون أول من أعلن ثورته ورفضه للأمر بعدها انتقلت مسألة الرفض إلى صفوف «القوات اللبنانية» والمسيحيين الآخرين، وبدأ العداء بين ميشال عون والسوريين يستحكم ويأخذ أشكالاً متطورة لكنه لم يصل حد الص.دام».

ويتابع: «بعدما عطّل عون انتخاب فرنجية ضد السوريين ثم الضاهر ضد التوافق الاميركي السوري، وصل إلى رئاسة الحكومة، وبدأ الصراع بينه وبين الأطراف الآخرين وأصبحت السلطة داخل المنطقة المسيحية متنازَع عليها بين «القوات اللبنانية» والعماد عون. وفي تلك الفترة انكشف الموقف السوري المُعادي له وتوقفت المناورة وقطع عون العلاقة القائمة قبلاً، وطلب من السوريين أن يتعاملوا معه بواسطة الديبلوماسية اللبنانية، وتحديداً عن طريق المير فاروق أبي اللمع الذي شغل، في تلك المرحلة، منصب مدير وزارة الخارجية. وبهذه الطريقة، ألغى عون كل الخطوط القائمة بينه وبين السوريين وما يرتبط بها من أسماء كمحسن دلول وفايز قزي ورياض رعد وألبير منصور وغيرهم. في تلك المرحلة، تطورت العلاقات من حيث نوع العداء، وإنقسم الرأي العام اللبناني تجاهها».

ويذكر قزي انه «بهدف إيجاد صيغة للحل بين الأفرقاء اللبنانيين المتحاربين وإعادة السلطة المركزية للدولة، عُقد مؤتمر تونس في العام 1988 حيث قدّم عون نوعاً من التساهل قابله رفض من سليم الحص وحسين الحسيني اللذين حضرا كممثليْن عن الطرف الآخر واللذين رفضا كل المشاريع والوساطات التي تقدم بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وقيل، في تلك المرحلة، إن عبد الحليم خدام تدخل شخصياً ومنع حصول أي تواصل بين عون والحص والحسيني حتى عن طريق الولائم.

وعندما عاد عون من تونس، اصطدم مباشرةً، مع «القوات اللبنانية» في 14 فبراير 1989 وقالت «القوات» حينها، إن عون عاد موعوداً بجنّة لبنان إذا قضى على «القوات». لكنني، شخصياً، أقول إن عون عادَ مزهواً بالنجاح الذي حققه من خلال الاتصالات التي أجراها باللجنة العربية ومن خلال قدرته على إقناع هذه اللجنة بأنه البديل عن الميليشيات اللبنانية. صراحةً، لا أعلم إذا كان الص.دام مع «القوات اللبنانية» مخطط عون أم كان وليد تخطيط آخر من مرجع ما لإسقاط أحلام ميشال عون الكبيرة التي تولّدت جراء مؤتمر تونس! ويبقى السؤال، حتى بالنسبة لي حتى اليوم، من دون جواب».

ويضيف: «بعد توقف أحداث 14 فبراير 1989 بحكم تدخل البطريرك الماروني والحبر الأعظم وتصالُح الطرفين، من حيث الشكل طبعاً، عادت «الحرارة» إلى العلاقات بين عون والسوريين وتحرك قسم من الذين كانوا يعملون على هذا الخط. إلا أنني، شخصياً، كنتُ قد ابتعدت عن هذه الأجواء إذ أيقنتُ ان العلاقة مستحيلة باعتبار ان العقيدة السورية التقليدية في التعاطي مع لبنان وإلى جانبها العقيدة البعثية تقومان على اعتبار وطننا جزءاً من سورية الكبرى وقُطراً منها. وضمن هاتين النظرتين، لبنان ليس دولة مستقلة بنظر السوريين، وبالتالي باستطاعة عون أن يعطي كل شيء إلا استقلال دولته، وما يريده عون يختلف كثيراً عما يريده السوريون».

ويتابع: «إذاً، في أوائل مارس 1989 كانت عائلتي في باريس وأردتُ الإلتحاق بها، غير أنَّه كان ينقصني بعض الأوراق القانونية للسفر، فعرضَ عليَّ أحد الأصدقاء التوجّه إلى الشام حيث كان رئيس الحكومة السابق الشهيد رفيق الحريري (طبعاً لم يكن رئيساً للحكومة آنذاك) والذي كان سيسافر بعد أيام قليلة إلى باريس، وبإمكاننا، بالتالي، أن نسافر برفقته من دون الاكتراث بمسألة الأوراق القانونية والثبوتية. والواقع أننا ذهبنا إلى الشام وكان الحريري يدشن قصر المؤتمرات مع الرئيس حافظ الأسد وتأخر في العودة إلى منزله، وعند عودته مساءً طلبَ مني أن أجلس إلى جانبه في السيارة وكان رياض رعد في المقعد الخلفي، فأخبرني الحريري، خلال توجهنا إلى المطار متوجهاً الى الأردن، أنَّ الرئيس الأسد، طوال الجلسة التي امتدت من الساعة الثانية ظهراً وحتى السادسة مساءً، لم يتحدّث إلا عن العماد عون وعن مزاياه وعن ضرورة دعمه للوصول إلى رئاسة الجمهورية. وروى لي الحريري، حينها، أنه سأل الأسد إذا كان كلامه هذا يعني قبوله بأن يصبح عون رئيساً للجمهورية ودعمه ترشيحه، فأجابه الأسد بتأكيد الأمر وعدم ممانعته إبلاغ عون بالحديث.

بناءً عليه، قررتُ أن أعود إلى لبنان لنقل الرسالة إلى عون وعندما بلغنا نقطة المصنع سمعتُ صوتاً يقول: «وهل تأتي إلى الشام من دون زيارتي؟!» فالتفتُ حولي ووجدت غازي كنعان، فشرحتُ له أنني كنت مغادراً إلى باريس فأخذني على انفراد وأخبرني أنه بعث برسالة مفصلة إلى العماد عون أبلغه فيها بضرورة التنبه إلى تاريخ 13 مارس، إلا أنني طلبتُ منه التوضيح، فأضاف ان «القوات اللبنانية» ستشن هجوماً على العماد عون على كل ثكن الجيش وعلى كل المحاور».

ويستكمل قزي كلامه بالقول: «على كل حال، عدتُ إلى بيروت وزرتُ عون وأعلمته بما حصل معي بالتفصيل، وبالفعل توتّر الوضع في 13 مارس، وفي14 منه سقطت قذيفة على مبنى «الأونيسكو» وتوترت الأوضاع أكثر وأعلن العماد عون «حرب التحرير» ضد السوريين، وبدل أن تكون المعركة بين عون و«القوات اللبنانية»، تحولت معركة بين عون و«القوات» معاً ضد السوريين. على الاثر، كلّمني الحريري من باريس مصدوماً وسألني إذا كنتُ قد أعلمت عون بما قاله لي فأكدتُ له أنني نقلت الرسالة.

صراحةً، لا أعلم ما الذي جرى حتى انقلبت الأمور إلى هذا المنحى، وعون بالذات يقول إنه سر كبير ستكشفه الأيام المقبلة وأنا لا أملك جواباً شافياً. عندما عاتبني رفيق الحريري سألني إذا كانت أميركا أو العراقيون قد تدخلوا. لكنني أجزم أن لا علاقة للعراقيين، فهم لم يتعرفوا إلى عون إلا بعد «حرب التحرير» لأنهم كانوا على شبه عداء معه بحكم علاقتهم الحميمة بـ «القوات اللبنانية»، كما أن المندوب الخاص لـ «أبو عمار»، أي الطرف الفلسطيني، كان يلازمني دائماً وبالتالي لا يمكن أن يكون قد دخل على الخط. الحريري سألني، أيضاً، إذا كان ميشال المر قد دخل على الخط، وهذه كلها احتمالات واردة لكن الحقيقة تبقى غامضة».

ويردف: «باختصار، بعد يومين من إعلان «حرب التحرير» ذهبنا، ألبير منصور وأنا، إلى العماد عون وعبّرنا عن استغرابنا لما يجري، فقال إنَّه يخوض الحرب متكلاً على نفسه وانَّه حرّ بما يفعل، فأجابه منصور: «إذا كنتَ تريد الانتحار فانتحر وحيداً». قد تكون، فعلاً، مغامرة من عون وربما هو تورّط في لعبة زيّنها له الأميركيون. في رأيي، أحدهم نصب فخاً لعون وهو تورط فيه مُرغماً ربما بسبب الدعم الظاهر العربي والأميركي والقدرة العسكرية التي كان يمتلكها. وبعدما شرع بقضم الميليشيات، تحوّلت المسألة بتحريض أميركي قد يكون بواسطة ميشال المر بحسب شكوك رفيق الحريري، إلى حرب لتحرير البلاد من السوريين».

ويذهب قزي إلى القول: «في النتيجة، أثبتت التجربة أنَّ أي زعيم أو مشروع لبناني، في الظروف الحالية العربية والسورية والإقليمية، ليس له أي حظوظ ملموسة وواضحة ليكون شريكاً ناجحاً لسورية في نموذج من العلاقات العربية – العربية السليمة. إذ لم يستطع العرب، حتى اليوم، أن يوج.دوا النموذج العربي العربي، أكان على مستوى البرلمان العربي أو جامعة الدول العربية فكيف بالنموذج اللبناني – السوري القائم على «الطمع» السوري التقليدي بالأرض اللبنانية والذي تركز من خلال الفكر البعثي القومي. ومعلوم ان حافظ الأسد قال، العام 1987 إنَّ النموذج الذي يقترحه للبنان يتراوح بين حدين: الحد الأقصى هو ضم لبنان إلى سورية، والحد الأدنى هو أن يكون لسورية علاقات مميزة مع لبنان كما هي علاقات الاتحاد السوفياتي، الذي كان لا يزال قائماً آنذاك، ببلغاريا.

وعندما جاء بشار الأسد إلى الحكم، قالَ «إنَّ العلاقات بين لبنان وسورية هي نموذج لم يكتمل بعد»، فكتبتُ مقالاً قلتُ فيه إنَّ حافظ الأسد أعطى نموذجاً للعلاقات اللبنانية – السورية ترافق ونظام المخابرات وكبعثي سابق، أعرف أنَّ النموذج المقترح للبنان هو نموذج القُطر، وهذا النموذج كان يقوم على الطليعة والنخبة، ولكن عندما استلم العسكرُ الحزبَ أصبح النموذج قائماً على نظام المخابرات ومن هنا سألتُ: «أي نموذج ستقدم لنا يا سيادة الرئيس الأسد؟».

ويخلص قزي إلى القول: «اليوم، يمكننا أن نسأل ميشال عون، تجاوزاً ولان لا صفة رسمية له، عن النموذج الذي سيتولد عن زيارته لسورية: هل هو نموذج العلاقات بين سورية والمسيحيين وهذه مهمة دينية أم العلاقات بين سورية و«التيار الوطني الحر» أو العلاقات بين سورية ولبنان وهذه مهمة رسمية أم إنه يزور سورية كأي سائح آخر؟». أفضل ما في الزيارة انها تذكر عون بجذوره العربية وتعرفه اليها مجدداً.
حقيقة العودة.

ويعتدل قزي في كرسيه متابعاً سردَ تفاصيل العلاقة بين عون وسورية، وتحديداً تفاصيل عودة «الجنرال» إلى لبنان، فيقول: «زيارة عون لسورية اكتملت من حيث المعنى المجازي، وكنتُ شاهداً على الأمر، في تاريخ 27 ديسمبر 2004 حين تمَّ الاتفاق بين عون والسوريين على عودته إلى لبنان وعلى مظاهر العودة وما إلى ذلك، وعلى اثرها زار المسؤول في «التيار الوطني الحر» غابي عيسى الشام والتقى عبد الحليم خدام».

ويروي: «عون ينكر الأمر في كتابه لكن عودته إلى لبنان بدأت بـ «احتكاك» أول أقمته أنا بالذات في يوليو 2004 ربما عن طريق الصدفة أو عن سابق تصور وتصميم من السوريين. كنتُ جالساً في المسبح الذي أملكه وأذكر جيداً أنه كان يوم خميس، فاتصل بي أحد الأصدقاء ليعلمني أنه ينوي زيارتي مع عدد من الأشخاص بمن فيهم رستم غزالة يوم الثلاثاء اللاحق. وكما كان مخططاً، وصل الجميع يوم الثلاثاء إلى مسبحي، وبينهم رستم غزالة ووئام وهاب ورياض رعد وناصر قنديل، وكنتُ، في تلك المرحلة، أعلم أنَّ هناك مشكلة بين احد الاعلاميين البارزين ومدعي عام التمييز عدنان عضوم، وكان الاعلامي حينها موجوداً في كندا، فدعوتُ شقيقه وهو اعلامي ايضاً للحضور لحل المشكلة مع غزالة باعتبار أنه موجود، وهذا ما حصل فعلاً».
كانت جلسة عادية طبيعية وكنتُ ارتدي لباس السباحة، وبدأ غزالة الحديث بالقول: «كيف حال الجنرال ميشال عون؟» فبادرته إلى القول: «مضى نحو سبعة أشهر منذ أن رأيته لكن سؤالك لفت انتباهي. فعندما كنتُ أزور الشام، حين كانت العلاقات قائمة بينكم وبين عون، كنتُ استشف الجو العام من خلال الطريقة التي يطرح فيها عبد الحليم خدام هذا السؤال. فإذا قال كيف حال «ميشو»، كنتُ أعرف أنَّ العلاقات سيئة جداً، أما إذا سماه «ميشال» فهذا يعني أنَّ العلاقات لا بأس بها، وإذا سماه «الجنرال» فهذا يعني أنَّ العلاقة جيدة، أما إذا سماه «الجنرال ميشال عون» فهذا يعني أنَّ العلاقة ممتازة وعلى ما يبدو فإنك قلت الجنرال ميشال عون. وسكت هو (غزالة) وسكت أنا بدوري».

ويتابع: «اختلجني شعور بأنَّ شيئاً ما يجري، خصوصاً على مستوى الزيارة، وعندما همَّ الجميع بالمغادرة، سألني غزالة عن موعد زيارتي المقبلة لباريس، وأخبرته أنني أنوي السفر بعد نحو شهر، فأوصاني أن أوصل سلامه الحار للجنرال عون. قلتُ له إنَّ الجنرال يفكر في العودة إلى لبنان فقال: «أهلاً وسهلاً به».

لم أذهب إلى باريس بعد شهر وذلك بسبب ارتباطاتي في لبنان، وتحديداً مسألة تأجير المسبح بحيث استغرقت المفاوضات نحو شهرين. وفي 14 ديسمبر 2004 ذهبتُ إلى باريس، وبتاريخ 16 منه زرتُ الجنرال عون وأخبرته بما جرى معي، فأبدى حماسه. سألني عن رأيي فقلتُ له: «قبلَ تحديد موعد العودة، يجب الحصول على تعهد بعدم الملاحقة القانونية أو التوقيف، والعودةُ تتمّ وفق الخطاب السياسي المعروف: حرية سيادة استقلال، أما التحالفات الإنتخابية فتكون في الظاهر بعيدة عن السوريين لكن بالتفاهم معهم فهم في امكانهم ابعاد مرشح ما تسهيلاً لك وضمان التحالف مع مرشح ما قد تكون بحاجة اليه».

وأكدتُ لعون أنَّ التنازلات التي سنقدمها تتمثل بخفض مستوى الخطاب السياسي من حال العداء مع سورية إلى حال الخصومة معها، أما بالنسبة للقرار الدولي 1559 فهو وُجد وتكرس ويجري تطبيقه وعلينا أن نتناسى أمره من دون السير ضده، إضافةً إلى عدم خوض الانتخابات النيابية إلى جانب وليد جنبلاط ولا حتى إلى جانب رفيق الحريري، فالطرفان كانا غير مهتميْن بالتعاون مع عون.

كانت، إذاً، فرصة مجانية قد يراها السوريون من منظار إيجابي، خصوصاً أنه كان يجري في بداية تلك المرحلة التحضير للتمديد للرئيس اميل لحود وكانت العلاقات بين جنبلاط والحريري وسورية متوترة.

ويردف قزي: «وافقَ عون على كلّ هذه البنود، إلا أنني أعلمته بضرورة سفري إلى أسبانيا على أنْ أعود بعد أسبوع إلى باريس، وهو الوقت الكافي للتفكير بعمق في الأمر. وفي 23 ديسمبر 2004 عدتُ إلى باريس للقاء عون الذي أبدى ترحيبه بمسألة العودة، طالباً إضافة بند وحيد وهو إرسال دعوة إلى السوريين، بواسطة أحد أعضاء «التيار الوطني الحر» في الولايات المتحدة، للمشاركة في مؤتمر المصالحة الذي كان ينوي عقده في باريس.

وفي 24 ديسمبر، عدتُ إلى لبنان للاحتفال بعيد الميلاد المجيد مع عائلتي، وفي 26 منه توجهت إلى سورية حيث كان الجميع بإنتظاري واستعرضنا سوية كل الشروط والمسائل العالقة، واستمرت الجلسة فترة طويلة فعرض عليّ المجتمعون أنْ أبيتَ في دمشق لكنني فضلت العودة إلى بيروت. في اليوم التالي، عدتُ إلى الشام وتناقشنا طويلاً وتمت الموافقة على كل البنود التي تقدمت بها حتى إنهم وافقوا على حضور ممثل عن «التيار الوطني الحر» إلى سورية لتسليم الدعوة إلى مؤتمر المصالحة ولكن من دون المشاركة فيه لأن في ذلك حرجاً كبيراً، بحسب السوريين.

اتصلتُ، إذاً، بالعماد عون ونقلت إليه البشرى السارة وبعد نحو أربعة أيام زار غابي عيسى دمشق وسلم الدعوة».

ويستكمل كلامه بالقول: «في تلك المرحلة، «لعب الفأر في عب» الرئيس اميل لحود، كما يُقال، فصار يحضّ مدعي عام التمييز عدنان عضوم على الحديث في الإعلام عن مذكرات التوقيف ضد عون وإمكان توقيفه عند وصوله إلى مطار بيروت في وقت لم يكن يريد السوريون إظهار أي حماسة علنية لعودة عون».

أجرينا دراسة حول الشق القانوني لمسألة العودة مع القاضي منيف عويدات وطلبَ عضوم تقديم طلب لرفع مذكرات التوقيف، غير انني رفضت لأنَّ المذكرات غير قانونية، في الأصل. حينها، طلبَ مني السوريون أن أزور الرئيس إميل لحود لوضعه في أجواء ما يجري، فزرتُ بعبدا واستقبلني لحود بنوع من الفتور فشرحتُ له أنه تمت معالجة الخلاف بين عون والسوريين وأنه لا تزال هناك مسألتان تستلزمان الحل وهما التعويضات المالية للضباط الذين خدموا إلى جانب عون ومسألة مذكرات التوقيف، فنصحني بمراجعة مدعي عام التمييز عضوم على أن يحدثه هو في الموضوع، فيما طلبتُ منه أن يحدث وزير الدفاع عبد الرحيم مراد، آنذاك، بهذا الخصوص، أيضاً.

صراحةً، لم يكن الجو مريحاً لكنني ذهبتُ إلى عبد الرحيم مراد فطلبَ مهلة 48 ساعة ثم بعث لي برسالة عبر الفاكس يقول فيها: «إنَّ التعويض يستحق منذ تقديم الطلب وبما أنَّ المستدعين لم يتقدموا بطلب منذ «فرارهم»… «فلم أرسل الفاكس إلى العماد عون، خـشية أن ينـفعل لقراءة عـبارة مـنذ «فرارهم».

ويضيف: «بعد شهر وأكثر انقضت الأيام واغتيل رفيق الحريري في فبراير 2005 واهتز الاتفاق الذي أسستُ له بين عون والسوريين، وأضحى عون «مقيماً» في منزل نازك الحريري في باريس وانفتح أطراف قوى الرابع عشر من مارس عليه وزاره كل من الياس عطا الله وجورج حاوي ومروان حمادة وغطاس خوري ووليد جنبلاط وغيرهم، إلى أنْ عرفتُ أن هناك فريقاً آخر دخل على خط عودة عون إلى لبنان، وهو يضم كريم بقرادوني واميل اميل لحود وأنطوان خوري حرب.

اليوم يؤرخ العماد عون التاريخ متناسياً الاتفاق الذي أقمته أنا بينه وبين السوريين، وهو يؤكد في كتابه بالفرنسية Une certaine vision du Liban إنه كان في باريس حين اتصل به أحدهم قائلاً إنَّ كريم بقرادوني يريد مقابلته وعندها سارت الأمور باتجاه العودة».

صورة القائد
يصمت قزي قليلاً، ينظر بعيداً ويقول بعمق: «منذ بداية تعاوني مع ميشال عون، لم أكن تابعاً له وكانت العلاقة بيننا حميمية وندية، فكنتُ أراه كما أنا أريده: لا أقبل أن يقدّم عون طلباً يستعطف فيه حرية دخوله إلى لبنان من عدنان عضوم لأنَّ مذكرة التوقيف غير قانونية، ولا أقبل أن يقْدم زعيم أو قائد على هذا النوع من التنازل بهدف تحصيل أمور معينة من وزير الدفاع. ولا أقبل ان يتنازل للسوريين عن خطاب السيادة والاستقلال لتسهيل العودة».

وفي هذا المجال، أذكر أننا كنا في مؤتمر تونس في العام 1988 عندما اتصلتُ بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من أجل التنسيق معه بشأن موعد لقائه بعون باعتبار أنني كنتُ صلة الوصل بينهما، مع العلم ان الادبيات العونية وقد كتبها بيار رفول في كتابه الصحوة اللبنانية قد زورت هذا الواقع. يومها، قال «أبو عمار» إنه سيرسل أحدهم ليعلمنا بالموعد لأسباب أمنية. وفي التاسعة مساءً جاء شخص إلى الفندق حيث كنا نقيم وأبلغني أنَّ عرفات سيكون بانتظارنا على الفطور في الثامنة من صباح اليوم التالي على أن يُرسل لنا، قُبيْل الموعد، سيارات لتقلّنا إلى المكان المحدد. أخبرتُ عون بالموضوع فأعرب عن جهوزيته للقاء لكنني، قبل أن أغادر الغرفة، شرحتُ له اننا نمثل المنطقة المسيحية ولا يجوز أن نذهب إلى «أبو عمار» بأنفسنا وانني سأعمل على تغيير الموعد. إلا أنني عجزت عن إبلاغ عرفات بالأمر.

في الصباح التالي، قررتُ أن أذهب إلى عرفات وحيداً، عندما جاء الوفد ليقلنا وتحججت بأنَّ عون مريض. وبالفعل، التقيتُ عرفات وشرحتُ له أنني أنا من عطّل مسألة حضور عون، واقترحت على «ابو عمار» أن يرافقني إلى الفندق حيث كنا نقيم، فلم يوافق كونه رئيس دولة ومن غير المحبذ قيامه بخطوة كهذه. واستمرت جلستنا أكثر من ساعة حتى توافقنا أخيراً على أن يتم اللقاء في منزل السفير اللبناني. وهكذا كان. فنجا الجنرال من سهام الناقدين.

ويضيف: «صبيحة اليوم التالي، وصلنا، عون وأنا، إلى منزل السفير اللبناني، الذي لم يكن موجوداً في منزله كونه لم يكن على علم باللقاء، وكان «أبو عمار» قد سبقنا. جلسَ الجميع، أيْ ما يقارب عشرين شخصاً، ولم تتوافر أي خلوة أو مساحة خاصة لعون وعرفات للتحادث، فاضطررت إلى أن أطلب من السفير والموجودين أن نجول في أرجاء المنزل لإفساح المجال أمام الرجلين لبعض الخصوصية.

من هنا، كنتُ حريصاً جداً على الجنرال عون وكنتُ أراه من المنظار الذي أريده، لكنه خرج عن هذا المنظار وتحديداً عندما وقّع ورقة التفاهم مع «حزب الله»، فهو عند هذه النقطة لم يعد ميشال عون الذي أعرفه… لقد تخلى عن نفسه وانقلب برأيي على دور الجنرال الذي لا يساوم».

ويستكمل قزي كلامه: «حقيقةً، لا أعترض على زيارة عون لسورية شرط أن يكون عون، بالفعل، يسعى لإقامة علاقة صحيحة وليس البحث عن مساعدة للاستقواء على الجمهورية بمعنى رئيس الجمهورية أو الاستقواء على الخصوم بمعنى البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير و«القوات اللبنانية» و14 مارس عامة. أشجعُ إقامة علاقات متوازنة وجيدة مع سورية ولكن، للأسف، زيارة عون، وهي متأخرة جداً، تأتي لتغطية العلاقة «الملتبسة» مع «حزب الله» وإيران، وهنا يُطرح السؤال: هل يحاول ميشال عون أن يفسر هذا السلوك غير اللبناني واللاعربي واللافلسطيني واللاقومي، بمعنى القومية العربية، والذي انكشف في علاقات حميمة لا مبرر لها مع «حزب الله؟»».

موقع ميشال عون الأساس هو مع حركة 14 مارس السيادية والاستقلالية، وعندما اختلف مع مجموعة من هذا الفريق كان من الأجدى أن يصححه أو يأخذ استقلاليته التامة عنه من دون الانتقال الى المقلب الآخر. ومن حق الحياديين، الذين يتهمهم عون بأنهم ينتظرون من يشتريهم، أن يسألوا: «هل وجدَ عون الثمن لأنه من المفترض أن يكون حيادياً وذهب مع طرف ضد آخر؟».

ويتابع: «لم يكن عون مع السنّة ولا مع الشيعة بل كان في مرحلة الوسط والاعتدال فلماذا انتقل إلى موقع التطرف؟… هذا عداء للرأي العام العالمي وللعرب. في رأيي انه لم تعد هناك مذكرة تفاهم مع «حزب الله» لأن عون تجاوز كل مذكرات التفاهم وكل أفكار التحالف وأصبح ينتمي بشكل كامل ومطلق إلى هذه المدرسة، وقد ذاب ذوباناً مطلقاً فيها وتحوّل شريكاً فرحاً بهذا الخط.

ونأمل أن تكون زيارة سورية ليست مجرد تمويه لعملية أخرى ونتمنى أن يعود عون إلى الطريق اللبناني كما رسمها هو عندما كان قائداً للجيش ورئيساً للوزارة، فمن الضروري أن يعود إلى موقعه ومداه العربي الحقيقي».

ويستطرد قزي: «ذهاب عون إلى سورية، رغم تأييدي له، يطاله بعض التحفظ، وخصوصاً أنَّ عون، في سلوكه منذ فبراير 2006 يعطي إشارات عدة إلى أنَّه ينتمي إلى محور إقليمي هو مرتاح في الانتماء إليه وأنَّه ليس مهتماً بحفظ خطوط العودة، فعون بطبعه يستعجل الفرح ويذكرنا بالحلاج الذي يُقال أنه استعجل الفرح فصُلب.

وآمل أن تبنى العلاقة مع سورية على أجندة تُظهر الدور العربي لميشال عون وتظهر مواقفه العربية أكثر من انتماءاته الإقليمية.

الإطار الذي يذهب فيه عون إلى سورية دقيق جداً وأنا أخشى ألا يحقق ما نفكر فيه من إعادة اللون العربي إلى علاقاته وليس التغطية على اللون الفاقع الذي أُعطي له خلال زيارته ايران، وأتمنى ألا يفكر السوريون بتوظيف الزيارة ضد قوى سياسية أخرى في لبنان لأن ذلك سينعكس على كل لبنان وعلى الدور العربي لسورية. فإذا لم تحسن استغلال زيارة عون لتعيد اللون العربي إلى مسارها ستكون متضررة».

ويختم قزي: «ثمة مرحلة وسط بين أن تعود سورية لتحكم لبنان وألا تكون سورية في لبنان وهي مرحلة الصداقة باللون العربي السوري من دون التبعية للون الايراني. إذا استعادت سورية اللون العربي في لبنان فهذا يحتم عليها التنسيق مع الدول العربية الأخرى وليس فقط مع إيران. وأنا، شخصياً، أشجع إعادة الدور العربي الوطني لسورية في لبنان في وجه الإرهاب والهيمنة الإيرانية… هناك خطران داهمان على لبنان، هما خطر الانزلاق الى الارهاب وخطر حوادث السابع من مايو التي كانت تسير نحو الهيمنة الفارسية الكاملة على لبنان. الخطر السوري يمكن معالجته عبر الاتفاقات والضمانات الدولية، أما خطر الإرهاب وخطر «التفريس» فلا يمكن معالجتهما. وقد يكون ممكناً للسوري، اذا أشرف عليه الأوروبي وباركه الأميركي وساهم فيه الخط العربي الوسطي، أن يلعب دوراً في درء هذين الخطرين. وعندئذ قد يهتدي الرئيس الاسد الى النموذج الصحيح ويكمله.

شخصياً، أرى أنَّ «حزب الله» لن يكون متحمساً لعودة سورية إلى لبنان تماماً كـ «القوات اللبنانية»، فهو ينتشي لأنه وضع يده على البلد».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus